مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بدأ الحراك السياسي يتصاعد داخل إقليم اشتوكة أيت باها، في مشهد يثير الكثير من التساؤلات حول توقيته وخلفياته. لقاءات متفرقة هنا وهناك، موائد إفطار جماعية تجمع منتخبين وفاعلين سياسيين من مختلف التوجهات، وتنقلات بين السهل والجبل توحي بأن المنطقة دخلت مبكرا في أجواء ما قبل الانتخابات.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح بين المتتبعين للشأن المحلي، هل يتعلق الأمر بمجرد مبادرات اجتماعية مرتبطة بأجواء شهر رمضان، أم أن الأمر يتجاوز ذلك ليكون جزء من خطة تكتيكية ومناورة سياسية مبكرة استعدادا للاستحقاقات المقبلة؟ وعلى رأسها الانتخابات التشريعية التي أعلنت الحكومة عن تنظيمها يوم الانتخابات التشريعية المغربية 2026، والمقررة في 23 شتنبر من السنة الجارية؟
الملاحظ أن اللقاءات الحزبية داخل الإقليم لم تعد تقتصر على الأنشطة التنظيمية المعتادة، بل أخذت طابعا اجتماعيا وسياسيا في آن واحد، حيث تحولت موائد الإفطار إلى فضاءات للنقاش وتبادل الرسائل السياسية، وأحيانا لتجريب تقاربات جديدة بين فاعلين لم تجمعهم التحالفات داخل الجماعات الترابية.
وبينما يرى البعض في هذه اللقاءات مجرد مبادرات تواصلية طبيعية في سياق اجتماعي رمضاني، يذهب آخرون إلى اعتبارها مؤشرا واضحا على انطلاق حملة انتخابية غير معلنة، خاصة وأنها تجمع فاعلين من مشارب حزبية مختلفة في محاولة لجس نبض الشارع واستكشاف إمكانيات التحالف أو التنسيق خلال المرحلة المقبلة، دون الاهتمام بما يقال في الشارع.
فرغم ما يتوفر عليه إقليم اشتوكة أيت باها من مؤهلات اقتصادية مهمة، خاصة في المجال الفلاحي، حيث يعتبر أحد أهم الأحواض الزراعية بالمغرب ومصدرا رئيسيا لتزويد الأسواق الوطنية بالخضر والفواكه، فإن هذه الدينامية الاقتصادية لم تنعكس بالشكل المطلوب على المستوى المعيشي لساكنة الإقليم، فالكثير من جماعات الإقليم ما زالت تعاني هشاشة البنيات التحتية وضعف التجهيزات الأساسية، من طرق ومسالك قروية إلى خدمات اجتماعية تحتاج إلى تعزيز حقيقي. وهو واقع يجعل جزء من الساكنة يتساءل عن جدوى الثروة الفلاحية التي تزخر بها المنطقة، في ظل استمرار الفوارق التنموية بين المجالين الحضري والقروي.
وفي خضم هذا النقاش، يطرح متتبعون للشأن المحلي سؤال الحصيلة البرلمانية لنواب الإقليم خلال الولاية الحالية، فبالنظر إلى انتظارات المواطنين وحجم التحديات التنموية التي يعرفها الإقليم، يرى كثيرون أن الحصيلة لا ترقى إلى مستوى الطموحات، باستثناء بعض المبادرات المحدودة التي لا تتجاوز أحيانا سؤالا كتابية موجها لقطاع حكومي، لم يشهد الإقليم مشاريع كبرى يمكن أن تشكل نقطة تحول في مساره التنموي، الأمر الذي يفتح الباب أمام انتقادات واسعة لأداء بعض البرلمانيين الذين يستعدون اليوم لخوض غمار الاستحقاقات المقبلة بحثا عن ولاية جديدة تحت قبة البرلمان.
ومن بين المفارقات التي يثيرها عدد من المتتبعين، أن بعض المنتخبين يقدمون مشاريع محدودة جدا على أنها إنجازات كبرى، مثل توفير صهاريج للماء أو إنجاز مقاطع قصيرة من المسالك الطرقية لا تتجاوز في بعض الأحيان كيلومترا واحدا، في الوقت الذي ينتظر فيه المواطنون مشاريع مهيكلة قادرة على إحداث نقلة نوعية في التنمية المحلية، تتحول بعض اللقاءات الرمضانية إلى فضاءات للخطاب السياسي والتباهي بإنجازات يعتبرها كثيرون متواضعة قياسا بحجم انتظارات الساكنة.
وبينما تمتلئ موائد الإفطار بالمدعوين والأنصار في لقاءات توصف أحيانا بأنها تواصلية، يرى جزء من الرأي العام المحلي أن النقاشات التي تدور خلالها نادرا ما تلامس هموم المواطنين الحقيقية أو أولويات التنمية داخل الإقليم، فالحديث عن فرص الشغل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتأهيل البنيات التحتية، ودعم الفلاحين الصغار، وتعزيز العدالة المجالية داخل الإقليم، يظل في كثير من الأحيان غائبا عن هذه اللقاءات، التي تتحول في نظر البعض إلى مناسبة لإعادة ترتيب الأوراق السياسية استعدادا لمحطات انتخابية قادمة.
وأمام هذا الواقع، يطرح العديد من الفاعلين المحليين ضرورة إحداث إقلاع سياسي حقيقي داخل إقليم اشتوكة أيت باها، يقوم على خطاب سياسي صادق وبرامج تنموية واضحة قادرة على الاستجابة لانتظارات المواطنين، فالإقليم، بما يتوفر عليه من مؤهلات فلاحية واقتصادية، يحتاج إلى ترافع قوي داخل المؤسسات المنتخبة، وإلى ممثلين قادرين على الدفاع عن مصالحه واستثمار إمكاناته بما يحقق تنمية متوازنة تنعكس بشكل مباشر على حياة الساكنة.
وبين هذه التحركات السياسية والانتظارات التنموية المؤجلة، يبقى السؤال معلقا، هل تشكل اللقاءات الحالية بداية فعلية لحملة انتخابية مبكرة، أم أنها مجرد حركية ظرفية سرعان ما ستخفت بعد انتهاء الشهر الفضيل؟ والأكيد أن ساكنة اشتوكة أيت باها تنتظر أكثر من موائد إفطار وخطابات موسمية؛ إنها تنتظر رؤية تنموية حقيقية تعيد الاعتبار لإقليم غني بإمكاناته، لكنه ما زال يبحث عن موقعه العادل في خريطة التنمية.