في إطار دعوة رسمية شاركت الأديبة والأكاديمية المغربية لطيفة لبصير في معرض الكتاب “جوادالاخارا” بالمكسيك، شاركت في عدد من الأنشطة الثقافية التي احتضنها هذا الحدث الأدبي الكبير، والذي يعد من أبرز معارض الكتاب دوليا من حيث عدد الزوار، وتنوع برامجه، وحضور القراء الشغوفين بالاطلاع والفضول المعرفي، حيث يحتل الكتاب موقعه المركزي بوصفه محور هذا العرس الثقافي.
واستهلت مشاركة لطيفة لبصير بلقاء خاص داخل معرض الكتاب “جوادالاخارا”، الذي نظم من 27 نونبر إلى 7 دجنبر 2025، وجاءت هذه الدعوة بعد تواصل المديرة التنفيذية للمعرض، إتزيل سانشيز، مع الكاتبة، حيث جرى الاتفاق حول المحاور القريبة من موضوع متشعب يتمثل في طيف التوحد، وهو التيمة الأساسية لرواية لطيفة لبصير “طيف سبيبة”، الفائزة بجائزة الشيخ زايد للكتاب سنة 2025.
وبعد نقاش وتواصل مستمرين، تم الاستقرار على الكاتب الكبير بيف فيرنانديز (Bev Fernandez) محاورا للكاتبة، بالنظر إلى قرابته الثقافية والإنسانية من الموضوع، إذ سبق له أن أنجز عملا موجها للأطفال في صيغة مانغا حول التوحد، وهو سيرة ذاتية لابنته
بعنوان “HABLA MARIA”.
وتأتي هذه الدعوة إلى معرض الكتاب “جوادالاخارا” بعد ترجمة رواية “طيف سبيبة” إلى اللغة الإسبانية من طرف المترجم الإسباني أنطونيو مارتينيز كاسترو (Antonio Martinez Castro)، وهي ترجمة أشرف عليها الكاتب والناشر صموئيل شمعون (Samuel Shimon) رفقة زوجته البريطانية مارجريت أوبانك (Margaret Obank)، حيث صدرت ضمن مجلة “بانيبال” (Banipal) من خلال العدد رقم 17 لسنة 2025، حيث يعمل شمعون وأوبانك عبر هذه المجلة على نشر الثقافة العربية في بلدان غير عربية، ضمن مشروع ثقافي طويل النفس يراهن على الترجمة بوصفها جسرا للتواصل الحضاري.
ويعود الفضل في هذه الدعوة إلى صموئيل شمعون ومارجريت أوبانك، باعتبارها تشريفا للأدب المغربي وإتاحة لصوته داخل فضاءات ثقافية تختلف في العادات والتقاليد، كما تفتح هذه المشاركة نقاشا حول ضعف حضور الكتاب العربي في معارض عالمية كبرى، مقارنة بالإقبال اللافت الذي يعرفه معرض “جوادالاخارا”، سواء من حيث عدد الزوار أو كثافة الأنشطة أو حضور الشباب بوصفهم رافعة أساسية للمستقبل الثقافي.
وشاركت لطيفة لبصير في حوار ثقافي مهم مع بيف فيرنانديز (Bev Fernandez) حول موضوع “خلق العوالم والعيش في صمت”، حيث جرى استنطاق تجربة الإبداع في حقل صعب يتمثل في طيف التوحد، وكيفية صياغته إبداعيا.
وأوضحت الكاتبة أن هذا المحور في الكتابة كان، في جوانب كثيرة، أكثر غرابة من التخييل نفسه، لأن العالم الذي تقدمه الرواية، من خلال العادات اليومية لبطلها وسرد أخته لاختلافه، يبدو وكأنه عالم غير مرئي أو غير معترف به.
وقد زاوجت لطيفة لبصير بين المعرفة العلمية والميدانية والإبداعية في بناء رواية “طيف سبيبة”، وهو ما جعلها تحظى بمتلقين من مختلف أنحاء العالم، وفي المقابل، قدم بيف فيرنانديز معطياته الواقعية من خلال تجربته الشخصية في علاقته بابنته، ما خلق نوعا من التجاور بين التخييل والواقع، انعكس إيجابا على تفاعل الحضور، الذي تابع اللقاء باهتمام لافت.
وشهد اللقاء قراءة مشتركة لفصل “رسالة سبيبة إلى الأطفال”، حيث قرأت لطيفة لبصير وبيف فيرنانديز النص بالتناوب بالعربية والإسبانية، في أجواء لاقت إعجاب الحضور، وجرت المحاورة باللغة الفرنسية مع ترجمة فورية إلى اللغة الإسبانية.
وقد أثار النقاش تساؤلات متعددة حول إمكانية الكتابة الإبداعية عن موضوع ذي خصوصية علمية، وحول الإشكالات التي يطرحها هذا النوع من الكتابة، إضافة إلى دور الأدب في إعطاء صوت لتجارب حياتية غالبا ما تحاط بالصمت.
ويمثل معرض الكتاب بـ”جوادالاخارا” دفئا ثقافيا خاصا، إذ يزخر بالطلبة الذين يحضرون الأنشطة الثقافية بكثافة، ويقبلون على اقتناء الكتب وقراءتها حتى داخل أروقة المعرض أو في افتراشهم الأرض، في مشهد يعكس علاقة حميمية بالكتاب ويجعل القراءة ممارسة يومية.
وفي لقاء دافئ آخر، حظيت الأديبة لطيفة لبصير بدعوة من شعبة التواصل “Prepa 10″، التي استضافتها في مكتبة “Elena Poniatowska amor”، واستُقبلت الكاتبة باحتفاء غنائي قدمه الطلبة رفقة أستاذهم في الموسيقى، مع تزيين القاعة باسم الكاتبة والعلم الوطني المغربي.
وجرت المحاورة باللغة الفرنسية مع ترجمة إلى الإسبانية، وتناولت أسباب كتابة رواية “طيف سبيبة”، ومزاوجة الإبداع بالبعد العلمي، وأثر جائزة الشيخ زايد للكتاب، إضافة إلى أسئلة تتعلق بتجربة الكاتبة الأكاديمية والإبداعية ودورها كأم.
وفتحت هذه اللقاءات نقاشا واسعا حول الإبداع، ودور التراث الشعبي المغربي في الرواية، وإشكالات الترجمة، خاصة ما يتعلق بترجمة أسماء الشخصيات مثل هبة، وراجي، وراضي، وسبيبة، وآمال، التي تفقد دلالاتها الرمزية عند نقلها إلى لغة أخرى.
كما شكلت هذه التجربة الثقافية فرصة للانفتاح على مثقفين من بلدان أخرى، من بينهم الكاتب الفلسطيني سامر أبو هواش، والكاتبة القطرية هدى النعيمي، والمترجم الفلسطيني شادي روحانا وزوجته مارسيلا، بما يعكس دينامية التلاقح الثقافي بين الشعوب.
جدير بالذكر، أنه ضمن هذه الرحلة تمت استضافة الأديبة لطيفة لبصير من طرف السفير المغربي في المكسيك عبد الفتاح اللبار في جلسة أدبية وثقافية إضافة لحفل عشاء، أبان فيه السفير عن احترامه للعالم الثقافي مع فتح مشاريع قادمة إيمانا بتلاقح الثقافات واختلافها ومد الجسور الحقيقية بين البلدين.