“إيض ن يناير” الاحتفال في زمن الغياب

ماتت الجدّات، وماتت الأمهات… وماتت معهن طقوس إيض ن يناير. أرواح ترجلت عن صهوة الجواد، وغادر معهنّ ما كان يصنع العيد: دعاء يُقال بهدوء، طبق يُحضَّر بحب، وإبتسامة على الشفاه، وحنان دون مقابل، واحتفال يُعاش دون أن يُوثق.

صار يناير يحتفل في غيابهن؛ فلم يعد البيت بيتًا، ولا صار العيد بعدهن عيدًا. ومع ذلك، تصرّ الذاكرة على الاحتفال رغم اليتم، تصرّ أن تَحتفل بأصل متجذر في كروموسومات كل واحد منا، بعمق لا يمحوه الغياب ولا ينساه الزمن.

لم يكن “إيض ن إيناير” يوما مناسبة للفرح الصاخب، كما اليوم، بل كان موعداً هادئاً مع الأرض، يشبه كثيراً حياة الأمهات. تعطي الأرض دون أن تطلب، وتتحمل دون أن تشتكي، وتنتظر دون أن تمل. في هذا اليوم، لم يكن الإنسان يحتفل بقدر ما كان يعترف، ولو بصمت، بأن الاستمرار نفسه شكل من أشكال الجهاد.

جهاد الأمهات لم يكن استثنائياً، بل يوميا، متكرراً، يشبه الفصول. يؤجلن حاجاتهن، يقتسمن القليل، ويتركن الأفضل لغيرهن. و”إيض ن يناير“، في جوهره، يقوم على الفكرة نفسها: طبخ ما تبقى، لا ما يُشترى، الاحتفال بالمتاح لا بالمؤجل. لم يكن ذلك فقراً في الفرح، بل حكمة في التدبير، تعلمها الناس من الأرض، وحفظتها الأمهات.

لم تكن الأم صانعة مائدة فقط، بل حارسة عيش. تعرف متى تفرح الأطفال ومتى تُخفف الاستهلاك، متى تظهر الوفرة ومتى تُخفي القلق. كانت تقرأ الأرض كما تُقرأ الوجوه، وتفهم أن الموسم القادم لا يُضمن بالضجيج، بل بالصبر. لذلك، لم يكن “إيض ن يناير” بالنسبة إليها عيداً بقدر ما كان محطة حساب صامتة مع الغد.

اليوم، وقد غابت كثير من الأمهات، صار “إيض ن يناير” أكثر هشاشة. نحتفل به كصورة، كطبق، كلباس، بينما ضاع معناه العميق. غاب الوسيط الذي كان يربط الإنسان بالأرض، ويفسر له تقلباتها. لم تعد الأرض تخاطَب بحذر، ولا المواسم تنتظر بحكمة، لأن من علّمنا ذلك رحل دون أن ننتبه إلى حجم ما حمله.

في زمن تغير المناخ وقلق المواسم، نفهم متأخرين لماذا كانت الأمهات مقتصدات، حذرات، صبورات. لم يكن ذلك خوفا مبالغا فيه، بل خبرة طويلة مع أرض فهي لا تعطي دائماً ما نريده، بل ما تستطيع. جهادهن لم يكن ضد الجوع فقط، بل ضد النسيان، وضد وهم الوفرة الدائمة.

لم يمت “إيض ن يناير” حين غابت الأمهات، لكنه فقد صوته. صار يمر ثقيلا، كضيف يعرف أنه لم يعد في البيت من ينتظره. كانت الأمهات لا يحتفلن به بقدر ما كن يصنعنه، يخفين تعبهن ليمنحن الآخرين فرحاً جاهزاً، وحين رحلن اكتشفنا أن الاحتفال كان يسكن أيديهن أكثر مما يسكن التقويم الفلاحي.

وفي زمن الغياب، لم نعد نفقد الأمهات وحدهن، بل نفقد معنى الاجتماع نفسه. انعزل الإخوة، وتفرق الأقارب، وصار “إيض ن يناير” يطرق أبوابا كثيرة دون أن يجد من يفتح له القلب كاملا. فهو يشبه صورة تُلتقط على عجل ثم تنسى.

عزيزي القارئ، المناسبات لا تموت، لكنها تتبدّل. تتعلّم أن تعيش في الدعاء، في زيارة قبر، في صدقة سرية، في ذكرى لا تقال بصوت عال. وربما يكون أعظم احتفال في زمن الغياب، أن نتذكر من جعلوا لمناسباتنا معنى، وأن ندعو لهم بالرحمة والغفران.

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.