النهائي الذي لم يبث؛ حين يهان صاحب الدار من المدرجات

لم يكن أحد يتوقع أن تختتم كأس أمم إفريقيا، التي احتضنها المغرب بتنظيم وصفه مسؤولو “الكاف” بالأفضل في تاريخ المسابقة، بمشاهد تسيء إلى جوهر الرياضة، وتربك صورة بطولة استثنائية من حيث الإعداد، والبنية التحتية، وحسن الاستقبال، فبدل أن يكتب الختام بلغة الفرجة والتنافس الشريف، دونته لحظات من التوتر والانفلات، طغت على ما كان يفترض أن يكون عرسًا قارّيًا جامعًا.

في الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية، ومع احتدام الصراع فوق المستطيل الأخضر، انزلقت الأمور خارج حدها الطبيعي، حين أقدم مشجعون سنغاليون على الاعتداء على متطوعين، وعرقلة عمل مصورين صحفيين، في مشاهد لم تلتقطها عدسات البث الرسمي، ولم تنقل عبر التلفزة المغربية، مشاهد غابت عن الشاشة، لكنها حضرت بقوة في ذاكرة من عاشها، وفي شهادات مهنيين وجدوا أنفسهم عرضة للإهانة والاعتداء، وهم يؤدون واجبهم داخل بلدهم، وفي تظاهرة من المفترض أن تقوم على الاحترام المتبادل.

قد يبرر البعض عدم نقل تلك الصور بالرغبة في تفادي “الشوهة”، غير أن الشوهة الحقيقية، في نظر كثيرين، ليست في عرض الحقيقة، بل في وقوع تلك الاعتداءات أصلا، وفي الإحساس بالعجز حين يتحول المتطوع أو الصحفي إلى ضحية، بدل أن يكون عنصرا أساسيا في إنجاح البطولة، فأن تهان داخل أرضك، وأنت تساهم في رفع راية التنظيم القاري، هو أمر يتجاوز الرياضة ليطرح أسئلة مؤلمة حول مفهوم الأمن، وحدود التسامح، والرسائل التي تبعث، عن قصد أو غير قصد، إلى الجماهير الوافدة.

في المدرجات، وعلى منصات الإعلام، لم يكن الغضب صامتا، عبارات كثيرة ترددت بين الجماهير والصحفيين، عكست شعورا عاما بالاحتقان: “حنا فينا الحنان بزاف”، “القانون كيطّبق غير على ولاد البلاد”، “لو كان هاد الهمجية من جمهور ديالنا لكان التدخل مختلفا” تعابير شعبية، لكتها تحيل إلى إحساس جماعي بأن الصرامة كانت انتقائية، وأن منطق “إظهار الوجه الحسن” طغى أحيانا على منطق فرض النظام وحماية الأفراد.

ولا يمكن فصل هذه الأجواء المشحونة عن السياق الرياضي نفسه، فالمغاربة عاشوا صدمة حقيقية بضياع اللقب داخل الديار، وفي مباراة ظلت مفتوحة على كل الاحتمالات حتى ثوانيها الأخيرة، سيناريو النهاية كان قاسيا، إلى حد أن البعض ذهب إلى التشكيك في طريقة تنفيذ دياز لضربة الجزاء الحاسمة، واعتبرها محاولة لتهدئة أجواء متوترة، كانت تسير بسرعة نحو الانفجار، بل وتهدد بانسحاب المنتخب السنغالي في لحظة فقد فيها المشهد توازنه.

صافرة الحكم النهائية لم تكن إعلان لنهاية مباراة، بل كانت لحظة صمت ثقيل، ارتسمت خلالها ملامح الصدمة على وجوه الجماهير المغربية، لم يكن أحد يتوقع هذا السيناريو، لا من حيث النتيجة، ولا من حيث الكيفية التي أُسدل بها الستار على بطولة وصفت، عن حق، بالاستثنائية تنظيميا ولوجستيًا وجماهيريا، بطولة أظهرت مغربا قادرا على رفع التحدي، وتقديم نموذج إفريقي يحتذى به، لكنها انتهت بمرارة تناقض حجم المجهود المبذول..

لقد اكتشف المغرب، خلال هذه النسخة، الصديق الحقيقي، والأخ الصادق، والجار الذي يحترم الأرض التي تطأها قدماه، لكنه، في المقابل، اصطدم أيضا بسلوكيات كشفت أن حسن النية وحده لا يكفي، وأن التنظيم الناجح لا يقاس فقط بجمال الملاعب وجودة العشب، بل بقدرة القائمين عليه على فرض النظام، وحماية كرامة من يساهمون في صنع النجاح.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.