تكمارت إيسمضال… رحلة إلى ماضٍ صنع خوف الطفولة

تكمارت إيسمضال، أو «فرسة القبور»، فيلم تدور أحداثه داخل قرية أمازيغية نائية بضواحي تفراوت، حيث تعيش الساكنة على إيقاع الهدوء والبساطة. حياة يومية عادية: الرجال في الحقول، والنساء بين أشغال البيت وجلب الماء والحطب، قبل أن تنقلب هذه الطمأنينة رأسا على عقب بفعل أحداث غامضة تنشر الرعب والخوف في النفوس.

تبدأ فصول القصة حين يقدم أحد أبناء فقهاء القبيلة، بعد وفاة والده، على استعمال كتب سحر قديمة كانت في حوزة هذا الأخير، مخالفا وصيته التي حذره فيها من قراءة تلك الكتب أو استعمالها، لما قد تجلبه من لعنة عليه وعلى القبيلة. غير مدرك للعواقب الوخيمة، يستدعي هذا الفعل الخطير قوى غيبية تتسبب في سلسلة من الظواهر المرعبة، تحاصر القرية وتزرع الذعر بين سكانها.

لم يكن هذا الفيلم مجرد حكاية رعب عابرة، بل مرآة لذاكرة قديمة… ذاكرة جعلتني أستعيد طفولتي، وأتساءل: متى تعلمنا الخوف أول مرة؟

في حي تراست رأت حياتي النور، وصرخت صرختي الأولى في فجر يوم من أيام السنة. لا أتذكر تفاصيل عامي الثاني والثالث، لكنني أتذكر بشدة ما تلا ذلك، حين بدأت أدرك الأحداث والوقائع، وأفهم ما يدور داخل الأسرة من أمور الكبار. كنت فتاة تبحث دائما عن المختلف وتحاول خلقه.

كنت أخرج بمفردي خلسة إلى الحي للعب مع فتيات يكبرنني بأعوام، وأنا في عمر أربع سنوات، لم أكن حينها أعرف معنى شيء اسمه الخوف.

كم من مرة تهت عن البيت؛ تارة يعيدني الجيران لعش والداي، وتارة أعود بمفردي. وكم من مرة تركت قدماي تمضيان حيث تشاءان، فأجد نفسي قد ابتعدت مسافات عن المنزل. كان التيه أولى بوادر تربع شيء اسمه الخوف في نفسيتي.

لا أخفيكم سرا  أن علاقتي بمنزلنا هذا، كانت مشحونة بالخوف، فقبل أن ننتقل إلى بيتنا الجديد. كان أهل الحي ينسجون روايات بأن هذا المكان كان في الأصل عبارة عن مقبرة قبل أن يتحول إلى سكنيات، وبأن أصواتا غريبة كانت تتسلل من الزوايا ليلا. وأنا في عمر أربع سنوات، كنت أسمعها بوعي غامض، كأنها تهمس لي بأسرار لا يراها غيري.

سيناريوهات من الرعب كانت تنسج حولي، وتسللت، دون أن أشعر إلى عمق شخصيتي، فشكلت جزءا من علاقتي بالخوف منذ نعومة أظافري.

لا شك أن لكل واحد منا قصته الخاصة مع الخوف، خصوصا حين يتعلق الأمر بكائنات لا نراها نحن البشر، لكنها تحيا داخلنا، بين يقظتنا ونومنا، وتظل مرافقة لنا صغيرة لكنها مؤثرة، منذ تلك السنوات الأولى التي لم نكن نفهم فيها العالم بعد.

أتذكر جيدا تفاصيل تلك الايام التي عشتها في ذلك المنزل. كانت أمي تخرج وتتركني بمعية أخي الأكبر لوحدنا. كان علي الجلوس بجانبه دون حركة. ما إن أتحرك قليلا حتى يصدر منه همس مخيف: «إذا تحركتِ هناك جن». كان أخي المقعد يحول خوفنا إلى أداة، همسه المخيف كان خيطا غير مرئي يربطنا به، يبقينا قريبين منه، ويزرع فينا يقظة مشوبة بالرعب والدهشة في آن واحد.

وليلا، حين تغلق الأبواب على البيت وتختفي الأصوات، كنت أعيد نفس الأحداث. أحدق في الزوايا المظلمة، وأتساءل: هل هناك فعلا ما يختبئ في الغرفة؟ بين الفضول والرعب… كان الخوف يأتي.

لم نكن حينها في حاجة إلى قصص ما قبل النوم، فالواقع فعل فعلته. ننام ونحن نفتح عينا ونغلق الأخرى، ونترك مكانا للجن تحت السرير، وآخر خلف الباب، وثالثا في الحمام.

من الناحية النفسية، عقل الطفل لا يميز بين الخيال والحقيقة. ما يراه ويسمعه يصدقه، وما يخيفه يرسخ في ذاكرته العاطفية. أفلام الرعب، والتخويف، والقصص المروية خصوصا تلك المرتبطة بالجن والمجهول تزرع في الطفل ما يسمى بالخوف المشروط: مجرد الظلام، أو الصمت، أو الوحدة، يصبح محفزا للقلق.

الطفل لا يخاف من “الجن” بحد ذاته، بل من الإحساس بعدم الأمان الذي تعلمه. ومع الزمن، يكبر الجسد… لكن الخوف يبقى صغيرا، مختبئا، يظهر فجأة في ليالي الأرق أو عند انقطاع الضوء.

بعضنا صار يقرأ المعوذات قبل النوم ، وبعضنا لا يستطيع النوم في غرفة مظلمة، وآخرون يضحكون على الأمر نهارا… ويهرولون ليلا عند سماع أي صوت. نحن لا نخاف من الجن، نحن نخاف من تلك النسخة الصغيرة منا التي صدقت كل شيء.

السخرية أن هذه المخاوف نادرا ما نربطها بما شهدناه في طفولتنا. نراها حساسية، توترا، أو قلقا بلا سبب، بينما السبب الحقيقي غالبا ما يختبئ في أعماق الذاكرة، يعيد نفسه لنا كلما تصفحنا فيلما قديما، كأنه يشغل شريط ذكرياتنا الأولى.

اليوم، ونحن نكتب ونضحك على تجاربنا، نكتشف أن الهشاشة النفسية تبدأ عند أول قصة نسمعها، وأول صورة نخزنها عن العالم.

فرجاء، اتركوا الأطفال وشأنهم، ولا تحاولوا تربيتهم على الخوف من عالم جعل الله بيننا وبينه حاجزا.

تكمارت إيسمضال لم يكن مجرد فيلم  أرعب جيلا بكامله، بل كان تذكيرا قاسيا بأن الخوف حين يزرع في الطفولة، يكبر معنا بصمت، ويختبئ في أعماقنا حتى نواجهه ونحن كبارا.

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.