تصريحات نارية وتوترات متصاعدة.. ماذا يجري في الجزائر خلف الكواليس؟

تشهد الجزائر في الأسابيع الأخيرة حراكًا سياسيًا ودبلوماسيًا لافتًا، أعاد اسمها إلى صدارة المشهد الإقليمي. فبين تصريحات قوية للرئيس عبد المجيد تبون، وتوترات مع بعض العواصم الأجنبية، وتحركات شبابية داخلية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا مما تظهره العناوين السريعة.

في لقائه الصحفي الأخير، اختار الرئيس تبون التخلي عن العبارات الدبلوماسية المعتادة، موجّهًا رسائل مباشرة لمن وصفهم بمحاولين التدخل في الشأن الداخلي الجزائري. استخدامه لعبارات حادة مثل “الدويلة” لم يكن عابرًا، بل اعتبره مراقبون مؤشرًا على احتقان سياسي يتجاوز مجرد اختلاف في وجهات النظر. الرسالة كانت واضحة: الجزائر ترفض أي وصاية أو تأثير خارجي.

لكن خلف هذه التصريحات، تتشابك عدة ملفات. فقد شهدت العلاقات الجزائرية مع بعض الدول الخليجية توترًا ملحوظًا، خاصة بعد خطوات رسمية مرتبطة باتفاقيات التعاون. كما تعيش العلاقات مع فرنسا مرحلة حساسة، في ظل تبادل مواقف سياسية أثارت ردود فعل متباينة بين البلدين.

وفي الداخل، لا يمكن فصل هذا التصعيد الخارجي عن السياق الداخلي. الحكومة الجزائرية تؤكد أنها تمضي في تنفيذ إصلاحات اقتصادية، وتسويق رؤية جديدة لـ”عصرنة الدولة” خلال السنوات المقبلة. غير أن جزءًا من الشباب ما يزال يطالب بإصلاحات أعمق، مستحضرًا روح حراك 2019، ومعبّرًا عن تطلعات اجتماعية واقتصادية تتعلق بفرص العمل والشفافية وتحسين مستوى المعيشة.

وبين خطاب رسمي يؤكد السيادة والاستقرار، وصوت شبابي يطالب بمزيد من التغيير، تجد الجزائر نفسها في لحظة دقيقة. ليست أزمة شاملة، لكنها أيضًا ليست مرحلة عادية. إنها مرحلة إعادة تموضع سياسي داخلي وخارجي، تختبر فيها الدولة توازناتها وتحالفاتها.

اللافت أن الخطاب السياسي الأخير لم يكن موجّهًا فقط إلى الخارج، بل حمل أيضًا طابعًا تعبويًا داخليًا، في محاولة لتعزيز الالتفاف الشعبي حول فكرة “حماية السيادة الوطنية”. وهو خطاب يجد صداه لدى فئات واسعة، خاصة في ظل حساسية الجزائريين التاريخية تجاه أي تدخل أجنبي.

في المحصلة، ما يحدث في الجزائر اليوم هو مزيج من شدّ وجذب دبلوماسي، إصلاحات معلنة، وتطلعات اجتماعية مستمرة. الصورة لم تكتمل بعد، لكن المؤكد أن المرحلة الحالية ستؤثر في شكل العلاقات الإقليمية للجزائر وفي مسارها الداخلي خلال الأشهر القادمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.