في خطوة أثارت نقاشًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والحزبية، أعلن رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش عدم ترشحه مجددًا لرئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، وهو القرار الذي يضع حدًا لمرحلة قيادية امتدت لسنوات، ويعيد ترتيب الأوراق داخل أحد أبرز الأحزاب المشاركة في الحكومة.
القرار لم يكن عابرًا في توقيته ولا في دلالاته. فمع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة سنة 2026، كان يُنظر إلى أخنوش باعتباره المرشح الطبيعي لقيادة الحزب نحو محطة انتخابية جديدة. غير أن إعلانه الانسحاب من سباق رئاسة الحزب فتح الباب أمام تساؤلات متعددة: هل يتعلق الأمر بإعادة توزيع للأدوار داخل الحزب؟ أم بقراءة سياسية للمرحلة المقبلة؟ أم بترتيبات أوسع داخل المشهد الحزبي المغربي؟
أخنوش، الذي يقود الحكومة منذ انتخابات 2021، ظل خلال ولايته في قلب نقاشات سياسية واجتماعية حادة. فقد واجهت حكومته تحديات مرتبطة بارتفاع الأسعار، والقدرة الشرائية، وإصلاح قطاع التعليم، وإعادة هيكلة المنظومة الصحية، إلى جانب تدبير آثار الجفاف وتحديات الأمن المائي. وفي المقابل، دافعت الأغلبية الحكومية عن حصيلتها، معتبرة أنها أطلقت أوراشًا اجتماعية كبرى، من بينها تعميم الحماية الاجتماعية وتوسيع التغطية الصحية، إضافة إلى برامج دعم مباشر للأسر.
ورغم أن رئاسة الحكومة منفصلة تنظيميًا عن رئاسة الحزب، فإن الموقعين ظلا مرتبطين سياسيًا في نظر المتابعين. لذلك فإن عدم ترشح أخنوش لقيادة “الأحرار” مجددًا يُقرأ باعتباره تحولًا مهمًا في بنية الحزب، الذي يستعد لمرحلة انتقالية قد تفرز قيادة جديدة تتولى التحضير للانتخابات المقبلة.
داخل الحزب، تتجه الأنظار إلى المؤتمر القادم، حيث سيتم اختيار الأمين العام الجديد. هذا التحول قد يمنح الحزب دينامية مختلفة، لكنه في الوقت ذاته يطرح تحدي الحفاظ على تماسكه الداخلي، خاصة وأن “الأحرار” يقود التحالف الحكومي الحالي.
سياسيًا، لا يعني هذا القرار انسحاب أخنوش من رئاسة الحكومة في الوقت الراهن، إذ أكد في أكثر من مناسبة التزامه بمواصلة العمل إلى نهاية الولاية الحكومية. لكن الفصل بين قيادة الحزب ورئاسة الحكومة سيغيّر بلا شك معادلة التأثير داخل الأغلبية، كما سيؤثر على طبيعة التحالفات المستقبلية.
في الشارع، تباينت ردود الفعل بين من اعتبر الخطوة شجاعة سياسية تفتح المجال لتجديد النخب، ومن رأى فيها بداية إعادة تموقع استعدادًا لمرحلة انتخابية حساسة. وبين هذا وذاك، يبقى الثابت أن المشهد الحزبي المغربي دخل مرحلة جديدة من الحسابات الدقيقة.
ما يجري اليوم ليس مجرد تغيير تنظيمي داخل حزب، بل محطة سياسية سيكون لها أثر مباشر على توازنات الانتخابات المقبلة، وعلى شكل التحالفات التي ستتشكل بعدها. ومع اقتراب 2026، يبدو أن الاستعدادات بدأت مبكرًا، وأن كل خطوة محسوبة بدقة في كواليس السياسة المغربية.