كوارث متكررة وقانون جامد: أين يذهب ضحايا الفيضانات؟

تفرض الفيضانات التي اجتاحت مناطق واسعة من الغرب وإقليمي العرائش وشفشاون نقاشا عموميا يتجاوز منطق التدخلات الاستعجالية، ليصل إلى صلب مسؤولية الدولة في جبر الأضرار الناتجة عن الوقائع الكارثية، فحين يتم إجلاء أزيد من 154 ألف شخص من منازلهم، وتتوقف مصادر عيشهم بشكل كلي أو جزئي، يصبح السؤال المطروح هو مدى استعداد المنظومة القانونية والمؤسساتية لمواكبة حجم الضرر، وليس فقط احتواء آثاره الآنية.

ما شهدته عشرات الدواوير لا يمكن تصنيفه في خانة الخسائر المحدودة، إذ حاصرت المياه تجمعات سكنية بأكملها، وتسببت السيول الجارفة في انهيار منازل بشكل كلي أو جزئي، فيما تعرضت محاصيل زراعية للإتلاف شبه التام، وغمرت الحظائر، مع تسجيل تلف مخزون العلف والحبوب، وهذه الخسائر لا تعني فقط تضرر ممتلكات، بل تعني انهيار نمط عيش قائم على الفلاحة المعيشية والأنشطة المرتبطة بها، في مناطق تعاني أصلا من الهشاشة وضعف البدائل الاقتصادية.

وإلى جانب الأضرار المادية، خلفت هذه الفيضانات آثارا اجتماعية ونفسية وصحية عميقة، تجلت في البعد الأسري، وتدهور الأوضاع المعيشية، وارتفاع منسوب القلق وعدم اليقين لدى ساكنة وجدت نفسها فجأة خارج منازلها، دون تصور واضح لما بعد مرحلة الإغاثة. فالإيواء المؤقت، مهما كانت ضرورته، لا يعوض الإحساس بالاستقرار، ولا يعالج تبعات فقدان السكن والعمل في آن واحد.

وتبرز هنا بشكل لافت معاناة الفئات المرتبطة بالقطاع غير المهيكل، حيث يعيش آلاف المواطنين الذين تم ترحيلهم مؤقتا على الدخل اليومي، كما هو الحال بمدينة القصر الكبير، ومع توقف الحركة الاقتصادية وتعطل الأنشطة البسيطة التي تشكل مصدر رزقهم الوحيد، وجد هؤلاء أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الحاجة، دون حماية اجتماعية، ودون تعويض عن توقف مورد العيش، وكأن الضرر الاقتصادي غير المرئي أقل أهمية من الضرر المادي القابل للإحصاء.

في خضم هذه المعطيات، يعود إلى الواجهة النقاش حول صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية، الذي أحدثه المشرع كآلية تضامنية لتحمل مسؤولية الدولة تجاه ضحايا الكوارث الطبيعية، غير أن الإشكال لا يكمن في وجود الصندوق من عدمه، بل في شروط تفعيله ونطاق تدخله. فالإطار القانوني الحالي يحصر الاستفادة في الأضرار البدنية أو المادية المرتبطة أساسا بالسكن الرئيسي، ويشترط عدم التوفر على تغطية تأمينية أخرى، مع إعطاء الأولوية لمن انهارت مساكنهم كليا أو جزئيا، كما حدث عقب زلزال الحوز.

هذا التصور، وإن كان يستجيب لمنطق التعويض عن فقدان المأوى، فإنه يقصي فئات واسعة من المتضررين الذين لا تقل خسائرهم جسامة، خاصة أولئك الذين فقدوا مصدر دخلهم أو توقفت أنشطتهم المهنية، دون أن يكون لذلك أي أثر في منظومة التعويض، فالقطاع غير المهيكل، الذي يشكل ركيزة أساسية في الاقتصاد المحلي، يظل خارج حسابات الجبر، رغم أنه الأكثر هشاشة في مواجهة الكوارث.

وأمام تسارع التحولات المناخية التي يعرفها المغرب، وتوالي الكوارث الطبيعية من فيضانات طاطا إلى فيضانات آسفي، وصولا إلى الفيضانات غير المسبوقة التي تشهدها عدة مناطق حاليا، يطرح هذا الواقع ضرورة ملحة لإعادة النظر في شروط الاستفادة من صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية، فالتحدي اليوم لم يعد مرتبطا بكارثة معزولة، بل بسياق مناخي جديد يفرض توسيع مفهوم الضرر، وربط التعويض ليس فقط بالسكن، بل أيضا بمصادر العيش والاستقرار الاجتماعي.

استمرار التعامل مع هذه الوقائع بمنطق ضيق، يركز على الجدران المتصدعة ويتجاهل الأرزاق المفقودة، يهدد بتعميق الهشاشة وخلق أزمات اجتماعية مؤجلة. لذلك، فإن تفعيل صندوق التضامن، بمقاربة أكثر شمولية وعدالة، لم يعد خيارا ظرفيا، بل ضرورة تفرضها حماية الفئات المتضررة، وضمان حد أدنى من الإنصاف في مواجهة كوارث لم يعد بالإمكان اعتبارها استثناء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.