في تطور لافت يعكس حركية دبلوماسية غير معتادة، احتضنت العاصمة الإسبانية مدريد يومي 8 و9 فبراير 2026 جولة مشاورات حول ملف الصحراء المغربية، قبل أن يتم تمديدها ليوم ثانٍ بطلب من الجانب الأمريكي، وفق ما أوردته تقارير إعلامية إسبانية. الخطوة لم تمر مرور الكرام، بل أعادت الملف إلى دائرة الضوء، وسط تساؤلات حول طبيعة هذه التحركات وما إذا كانت تمهد لمرحلة جديدة في مسار النزاع.
التمديد جاء بطلب من مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في إشارة واضحة إلى رغبة واشنطن في منح هذه الجولة وقتًا إضافيًا لتعميق النقاش وتقريب وجهات النظر. ووفق المعطيات المتداولة، فإن الاجتماعات تندرج ضمن مساعٍ أمريكية لإيجاد أرضية تفاهم بين مختلف الأطراف، مع التركيز على مقترح الحكم الذاتي الذي تقدمت به الرباط كحل سياسي للنزاع تحت السيادة المغربية.
وتكتسي هذه الجولة أهمية خاصة في ظل الجمود الذي طبع المسار الأممي خلال السنوات الأخيرة، رغم استمرار تعيين مبعوثين أمميين ومحاولات إعادة إطلاق العملية السياسية. اختيار مدريد كمكان للاجتماعات يحمل بدوره دلالات رمزية وسياسية، بالنظر إلى التاريخ المعقد لإسبانيا في المنطقة، ما يجعل احتضانها لهذه المشاورات حدثًا له أبعاده الخاصة.
المغرب، الذي يروج لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلًا واقعيًا وعمليًا، يجد في الدعم الأمريكي عنصر قوة داخل المعادلة الدولية، خاصة بعد اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء في وقت سابق. في المقابل، تتمسك الأطراف الأخرى بمواقفها التقليدية المرتبطة بتقرير المصير، ما يجعل أي تقدم رهينًا بقدرة الوسطاء على صياغة تسوية توازن بين الطروحات المختلفة.
اللافت في هذه الجولة ليس فقط انعقادها، بل توقيتها أيضًا، في سياق إقليمي يعرف تحولات متسارعة، سواء على مستوى العلاقات المغربية الإسبانية أو ضمن التوازنات المغاربية الأوسع. هذا المعطى يمنح المفاوضات بعدًا استراتيجيًا يتجاوز الإطار الثنائي أو الإقليمي الضيق.
حتى الآن، لم تُعلن تفاصيل دقيقة بشأن مخرجات الاجتماعات، غير أن تمديدها ليوم إضافي يُقرأ كمؤشر على وجود نقاشات معمقة وربما مقترحات قيد الدراسة. وبين التفاؤل الحذر والواقعية السياسية، يبقى السؤال مطروحًا: هل تكون مدريد محطة عابرة في مسار طويل، أم بداية تحرك فعلي يعيد رسم ملامح الحل في أحد أكثر الملفات تعقيدًا في المنطقة؟
الأيام المقبلة وحدها كفيلة بكشف اتجاه الرياح، لكن المؤكد أن ملف الصحراء عاد مجددًا إلى قلب النقاش الدولي، وهذه المرة بتحرك أمريكي مباشر يضع الجميع أمام مرحلة اختبار جديدة.