فوضى “البودكاست” في المغرب..”طابلة وخامية” تكفي

منذ أن شق “البودكاست” طريقه إلى الفضاء الرقمي المغربي، لم يعد الأمر يتعلق بمنصة للتعبير الهادئ أو النقاش الرصين، بقدر ما تحول إلى ظاهرة مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث صار كل من يملك “طابلة وخامية” أو “فوتوي وخامية” يعتبر نفسه مؤهلا لمخاطبة الرأي العام، وصناعة محتوى يستهلكه الآلاف دون مساءلة أو تمحيص.

في الظاهر، يبدو المشهد غنيا ومتعدد الأصوات، لكن عند التدقيق، يتضح أن الأمر أقرب إلى فوضى رقمية، تتكاثر فيها “المنصات” بالمئات، بل آلاف “البودكاستات” التي تغزو الويب المغربي، كل واحد منها يغني على ليلاه، مستندا إلى أبسط الشروط التقنية، طاولة، كاميرا، ميكروفون، وبعض الكراسي المرتبة بعناية توحي للمشاهد بأنه أمام منتج إعلامي متكامل.

غير أن الإشكال لا يكمن في وفرة الوسائل، بل في غياب الحد الأدنى من التأهيل المعرفي والأكاديمي لدى عدد كبير من صناع هذا المحتوى، فمواضيع معقدة في السياسة، التاريخ، الرياضة، وحتى علم النفس، تطرح بمنطق سطحي، وتناقش بأدوات بدائية، يغلب عليها الانطباع الشخصي والتأويل غير المؤسس، ما يحول النقاش إلى مجرد دردشة مطولة تفتقر للعمق والدقة.

الأخطر من ذلك، أن بعض هذه المنصات تحولت إلى فضاءات لعرض الحياة الخاصة، وتسويق “قصص شخصية” تقدم أحيانا بشكل مبالغ فيه، وتغلف بخطاب عاطفي يستهدف فئة واسعة من الشباب، في محاولة لصناعة قدوات وهمية، تقدم نفسها كمرجعية في النجاح أو الفشل أو “تجارب الحياة”، دون أي سند معرفي أو تجربة يمكن تعميمها.

البودكاست

وفي خضم هذا الزخم، برزت فئة أخرى تمارس نوعا من “الأستاذية الرقمية”، حيث يتم تقديم المحتوى وكأنه حقيقة مطلقة، لا تقبل النقاش أو الاختلاف، لكن، وبمجرد إخضاع هذه المضامين لحد أدنى من التدقيق، يتبين أنها لا تضيف جديدا، بل تعيد إنتاج نفس الأفكار بشكل إنشائي، قائم على الحشو والإنشائية، مع توظيف مكثف للعاطفة كوسيلة للتأثير بدل الإقناع.

ورغم هذا الفراغ المعرفي، تحقق العديد من هذه “البودكاستات” أرقاما مرتفعة من حيث المشاهدات والمتابعة، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول ذوق المتلقي، وحول المعايير التي تحكم استهلاك المحتوى في الفضاء الرقمي المغربي. فحين يصبح الانتشار بديلا عن الجودة، تتحول الساحة إلى سباق نحو الإثارة بدل القيمة.

ولا يمكن فصل هذا الواقع عن منطق السوق، حيث تلعب الإشهارات والرعاة دورا حاسما في استمرار هذه الظاهرة، فبالنسبة لعدد من الممولين، لا يهم مضمون المحتوى بقدر ما تهمه الأرقام التي يحققها، وهو ما يفتح الباب أمام تكريس الرداءة، طالما أنها قادرة على جذب الانتباه وتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة.

اليوم، لم يعد السؤال مرتبطا بوجود “البودكاست” في حد ذاته، بل بكيفية تأطيره وتجويده، حتى لا يتحول إلى أداة لتضليل الرأي العام أو تبسيط قضايا معقدة بشكل مخل، فحرية التعبير، وإن كانت مكسبا أساسيا، لا تعني غياب المسؤولية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتأثير على فئات واسعة من المجتمع.

واقع الحال يؤكد أننا في فضاء رقمي مفتوح بلا ضوابط، وجمهور يبحث عن محتوى يواكب تطلعاته، ليبقى التحدي الحقيقي هو إعادة الاعتبار للمعرفة الرصينة، وتشجيع نماذج إعلامية رقمية تحترم ذكاء المتلقي، وتقدم له ما يستحق، بعيداً عن الضجيج الذي يصنعه “ميكروفون بلا محتوى”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.