أينما وليت وجهك في مدينة إنزكان، يصادفك مشهد يدعو للشفقة، أياد ممدودة، أجساد منهكة، وأطفال لا تتجاوز أعمارهم العاشرة يجوبون الشوارع بين المارة، لم تعد ظاهرة التسول حالات معزولة أو استثناء، بل تحولت إلى واقع يومي يطبع الحياة العامة في واحدة من أبرز الحواضر التجارية بجهة سوس ماسة.
وتعيش المدينة خلال الآونة الأخيرة وخاصة مع فترة عيد الفطر على وقع تفاقم لافت لهذه الظاهرة، بعدما انتشرت أفواج المتسولين في الشوارع الرئيسية والأسواق والمحطة الطرقية، في مشهد يثير استياء المواطنين ويعيد إلى الواجهة النقاش حول نجاعة السياسات الاجتماعية الموجهة للفئات الهشة.
ويكفي التجول بشارع محمد الخامس أو بالمحيط التجاري لسوق الثلاثاء، للوقوف على حجم الظاهرة، حيث تنتشر حالات التسول بشكل لافت، بين نساء مرفوقات بأطفال، ومسنين يتنقلون بين المقاهي، وأطفال يعترضون سبيل المارة بعبارات استجداء متكررة، في مشاهد أصبحت مألوفة لدى الساكنة.
وتظل المحطة الطرقية بإنزكان ومحيطها من أبرز النقاط التي تعرف تركز هذه الظاهرة، حيث تحولت إلى فضاء يستقطب المتسولين والأطفال في وضعية الشارع، الذين يقضون يومهم في استهداف المسافرين، وسط ظروف اجتماعية صعبة ومخاطر متعددة، خاصة مع غياب المأوى وانتشار بعض السلوكيات المرتبطة بالتشرد.
وفي هذا السياق، يؤكد عدد من المواطنين أن هذه الفئة لا تقتصر على طلب المساعدة، بل إن بعض الحالات ترتبط بسلوكيات منحرفة، من بينها تعاطي مواد مخدرة، ما يزيد من تعقيد الوضع ويطرح تحديات أمنية واجتماعية في الآن ذاته.
ويرى متتبعون أن ظاهرة التسول بإنزكان لم تعد مرتبطة فقط بالفقر والحاجة، بل أضحت في بعض الحالات نشاطا منظما، يعتمد على استمالة عطف المواطنين بوسائل مختلفة، من بينها ادعاء المرض أو الحاجة إلى تسعيرة للتنقل الى وجهة معينة، مع تسجيل توافد أشخاص من مدن مجاورة لمزاولة هذا النشاط بشكل يومي.
وفي مقابل ذلك، لا يمكن إغفال وجود حالات إنسانية حقيقية، خاصة في صفوف الأرامل والمسنين والأسر المعوزة، التي تجد نفسها مضطرة لمد اليد في ظل غياب موارد قارة. وهي وضعيات تعكس هشاشة اجتماعية تتطلب تدخلا مؤسساتيا يتجاوز المقاربة الظرفية، وتفاقم هذه الظاهرة يعزى إلى جملة من العوامل، من بينها الفقر، التفكك الأسري، والهدر المدرسي، إلى جانب الهجرة الداخلية من المناطق القروية نحو إنزكان، باعتبارها قطبا تجاريا يوفر فرصاً أكبر، ولو في إطار التسول.
كما يثير استمرار هذه الظاهرة تساؤلات بشأن مستوى تدخل الجهات المعنية، سواء على المستوى الاجتماعي أو الأمني، في ظل انتشار التسول بشكل علني في عدد من الفضاءات العمومية، دون إجراءات رادعة كافية للحد منه أو معالجته من جذوره، نظرا لما لها من انعكاسات على صورة المدينة، التي تعد من أبرز المراكز الاقتصادية بالجنوب، حيث يساهم الانتشار المكثف للمتسولين في التأثير على جاذبيتها، سواء بالنسبة للزوار أو الفاعلين الاقتصاديين.