عيد بأي حال عدت يا عيد

صدق الشاعر أبو فراس الحمداني عندما قال:

عيد بأي حال عدت يا عيد

بما مضى أم لأمر فيك تجديد

كلمات تعكس ما يحدث في قلوب ملايين العرب: فرحٌ يطرق الأبواب، وحزنٌ يعتصر الصدور. ففي فلسطين، العراق، سوريا، وإيران، وغيرها من الشعوب العربية، غالبًا ما يصادف العيد أحداثًا أليمة، تجعل الأطفال يختبئون خلف جدران المنازل، والآباء ينظرون إلى السماء بحثًا عن بصيص أمان وسط دخان القنابل.

فلسطين: العيد بين الأمل والدمار

في النكبة 1948، لم يكن العيد سوى ذكريات مؤلمة لمئات الآلاف من الفلسطينيين، الذين أجبروا على الرحيل عن بيوتهم وأراضيهم. أما حرب 1967، فقد جاء العيد بعد الاحتلال، ليصبح فرحة غريبة، مُهشّمة بين الحواجز والجدران.

انتفاضتا 1987 و2000 جعلتا أيام العيد مزيجًا من دموع الأطفال وفرحة الصمود، بينما حروب غزة (2008-2021) حولت الاحتفال إلى كوابيس: أصوات الانفجارات فوق رؤوس الصغار، والبيوت تنهار كقلوب الأمهات. لكن رغم كل ذلك، ظل الفلسطينيون يزينون الشوارع بالفوانيس، محاولين أن يبقوا على شعلة الفرح حيّة.

وحتى يومنا هذا، ما زالت فلسطين تعيش العيد وسط الحزن والقلق. فالاحتلال لم يرحم الفرح، والحواجز والجدران لم تمنح الأطفال فرصة الابتسام كما يفعل أقرانهم في العالم. كل عيد في غزة، الضفة الغربية، أو القدس الشرقية، يحمل بين طياته دموع الأسر التي فقدت أحبائها، وبيوتًا دُمّرت، وأحلامًا صغيرة لم تتحقق.

الأطفال يفتحون عيونهم على الأصوات المألوفة للانفجارات، بدلًا من صوت تكبيرات العيد والضحكات، والآباء يحاولون أن يزرعوا ولو شعلة أمل صغيرة في قلوبهم، باللعب البسيط، أو قطعة حلوى، أو تجمع عائلي محدود. ومع ذلك، يظل الفلسطينيون صامدين، يحتفلون بالعيد كرمز للحياة، رغم أن قلب العيد لا يزال مثقلاً بالحزن الذي ورثوه من أجيال الصراع.

العراق: الأعياد تحت رحى الحروب

في العراق، كثيرًا ما صادف العيد الحزن والدمار.

  • حرب الخليج الأولى 1991: قصف المدن قبل عيد الأضحى، وتحولت أضواء الفوانيس إلى ألسنة لهب.

  • الاحتلال الأمريكي 2003: انفجارات بغداد وموجات العنف قبل عيد الفطر جعلت الاحتفال حلمًا بعيد المنال.

  • أزمة داعش 2014-2017: العيد في الموصل أصبح رمزًا للتهجير والدمار، حيث فقد الأطفال ابتساماتهم.

سوريا: الأعياد في قلب الصراع

منذ 2011، أصبح عيد الفطر أو الأضحى في سوريا يمر بصدى القذائف والانفجارات، بدلًا من أصوات تكبيرات العيد وضحكات الأطفال. حلب، إدلب، ودمشق شهدت سنوات طويلة من الحزن، وترك الأطفال يحلمون بالعيد خلف جدران مهشمة.

اليمن: العيد بين القصف والجوع

في اليمن، صار عيد الفطر أحيانًا مناسبة لتذكر الموت والجوع أكثر من الفرح. منذ 2015، ومع التدخل العسكري، شهدت المدن اليمنية حصارًا، قصفًا، ونزوحًا جماعيًا، بينما كانت مظاهر الاحتفال تخبو أمام واقع يومي من المعاناة.

 إيران اليوم… العيد تحت وطأة الحرب

في إيران، تحوّل العيد من أيام فرح واحتفال إلى لحظات من القلق والخوف المتصاعد. منذ أواخر فبراير 2026، دخلت إيران في حرب مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بعد سلسلة من الضربات الجوية والصاروخية المشتركة التي استهدفت مواقع عسكرية حساسة في طهران وأجزاء أخرى من البلاد، ضمن ما أُطلق عليه اسم عملية “غضب الأسد”. هذه الضربات جاءت ردًا على توترات سياسية طويلة، وانهيار المفاوضات، وتزايد الخلافات حول البرنامج النووي الإيراني، مما أدّى إلى تصعيد مسلح واسع.

العيد بين الألم والأمل

رغم كل هذا الحزن، يبقى العيد رمزًا للصمود. هو اللحظة التي يقول فيها الإنسان العربي: سأحتفل، رغم كل شيء، سأحلم رغم كل شيء، سأبقى حيًا رغم كل شيء. الفرح يصبح أعمق حين يأتي بعد الألم، والابتسامة أثمن حين تُرسم على وجه طفل عاش تحت القصف.

“عيد بأي حال عدت يا عيد”، كلمات أبو فراس الحمداني، تصير أكثر صدقًا هنا: العيد في فلسطين، العراق، سوريا، اليمن، وإيران ليس مجرد احتفال، بل صرخة للحياة، شعلة أمل، ورسالة إلى العالم بأن البشر سيستمرون في البحث عن السلام، مهما طال الليل. فالعيد الحقيقي هو الأمان، الحرية، والحياة الكريمة لكل إنسان، حتى لو كانت الأعياد تمر وسط الدخان والدموع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.