أفادت المندوبية السامية للتخطيط، في دراسة حديثة استندت إلى نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، بوجود فوارق مجالية واضحة بين الوسطين الحضري والقروي في ما يتعلق بوضعية الأشخاص في وضعية إعاقة، حيث تسجل المناطق القروية معدلات انتشار أعلى وظروفًا أكثر هشاشة.
وكشفت المعطيات أن عدد الأشخاص في وضعية إعاقة بالوسط القروي عرف ارتفاعًا ملحوظًا، ليمثل نحو 43.9 في المائة من إجمالي هذه الفئة على الصعيد الوطني، مسجلًا زيادة مقارنة بإحصاء 2014. كما يبلغ معدل انتشار الإعاقة في القرى 5.6 في المائة، مقابل 4.2 في المائة في المدن، ما يعكس تمركز الظاهرة بشكل أكبر في المجال القروي.
وأرجعت الدراسة هذا التفاوت إلى تداخل عوامل ديموغرافية وصحية وبيئية، في مقدمتها التحول الوبائي وتزايد الأمراض المزمنة، إلى جانب ضعف خدمات الكشف المبكر والتأخر في التشخيص بالمناطق النائية، وهو ما يحد من فعالية التدخل الطبي ويُفاقم حالات الإعاقة. كما سجلت المعطيات أن نسبة من الأشخاص في وضعية إعاقة بالقرى لا تتلقى أي علاج، وهو ما يزيد من احتمال تطور الحالات البسيطة إلى إعاقات دائمة أو أكثر حدة.
وسجلت الوثيقة أن البنية العمرية تلعب دورًا حاسمًا في هذا التفاوت، إذ ترتفع نسبة الإعاقة لدى كبار السن في الوسط القروي إلى 22.8 في المائة، مقابل 16.1 في المائة في المدن، في ارتباط وثيق بظاهرة الشيخوخة وغياب الرعاية الصحية المتخصصة في البوادي.
وعلى المستوى البيئي، ربطت الدراسة بين انتشار الإعاقة وضعف البنيات التحتية الأساسية، حيث لا تتوفر سوى نصف الأسر القروية المعنية تقريبًا على الماء الجاري، فيما تظل نسبة الربط بشبكة الصرف الصحي محدودة جدًا. ويساهم هذا الوضع في خلق بيئة غير صحية تزيد من مخاطر الإصابة بالأمراض ومضاعفاتها، كما يعقّد من قدرة الأفراد على العناية الذاتية، التي تسجل أعلى مستويات العجز في القرى.
وفي ما يتعلق بالتعليم، أبرزت الدراسة اتساع الفجوة بين الوسطين، إذ لا يتجاوز معدل محو الأمية في القرى 23 في المائة، مقابل أكثر من 45 في المائة في المدن، مع تسجيل هشاشة أكبر في صفوف النساء القرويات، ما يعمّق العزلة الاجتماعية ويحد من فرص الوقاية والاندماج.
كما أظهرت المعطيات وجود عزلة رقمية لافتة، حيث لا تتجاوز نسبة استخدام الإنترنت لدى الأشخاص في وضعية إعاقة بالوسط القروي 9.3 في المائة، وهو ما يكرس مظاهر التهميش ويحد من فرص الولوج إلى الخدمات والمعلومات. وعلى المستوى الاقتصادي، يغلب العمل المستقل بنسبة تفوق 40 في المائة، ما يجعل هذه الفئة أكثر هشاشة واعتمادًا على محيطها الأسري.
وفي ختامها، دعت الدراسة إلى اعتماد مقاربة شمولية ذات بعد حقوقي، تتجاوز الطابع الطبي التقليدي، مع تعزيز الاستهداف الترابي للمناطق القروية والجبلية، بهدف تقليص الفوارق في الولوج إلى الخدمات الأساسية.
كما أوصت بتطوير منظومة الرعاية الصحية، خاصة في ما يتعلق بالكشف المبكر، وتعزيز التربية الدامجة، مع إيلاء اهتمام خاص للفتيات القرويات، إلى جانب تقليص الفجوة الرقمية وتحسين البنيات التحتية والخدمات الأساسية، بما يضمن إدماجًا فعليًا لهذه الفئة داخل المجتمع.