يسلط البحث الوطني حول العائلة لسنة 2025، الذي أجرته المندوبية السامية للتخطيط، الضوء على تحولات كبيرة في بنية الأسرة المغربية وأنماط التعايش، في سياق ديموغرافي واجتماعي متسارع. الأسرة، التي تظل أحد ركائز التماسك الاجتماعي، تواجه اليوم تحديات جديدة مرتبطة بالتحولات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ما يفرض إعادة النظر في السياسات العمومية الداعمة لها.
تشير نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 إلى تقلص حجم الأسر من 4,6 أفراد سنة 2014 إلى 3,9 أفراد سنة 2024، وإلى إعادة توزيع تدريجي للمسؤوليات داخل البيت، مع انعكاسات واضحة على التضامن بين الأجيال، والولوج إلى السكن، والإدماج الاقتصادي، والتوازن بين الحياة الأسرية والمهنية.
الأسرة النووية: التوجه السائد
أوضح البحث أن الأسرة النووية أصبحت النمط الأكثر انتشارًا بالمغرب، حيث تمثل 73% من مجموع الأسر مقابل 61% سنة 1995. هذا النموذج يركز على الوالدين كإطار أساسي لإعادة تشكيل العلاقات الأسرية، مع تزايد عدد الأزواج دون أطفال مقيمين معهم من 3,4% سنة 1995 إلى 9,4% سنة 2025، وهو ما يرتبط بظاهرة “الأعشاش الفارغة” والشيخوخة.
التحولات في هذا النموذج تعكس أيضًا انخفاض التعايش الموسع داخل مسكن واحد، ما يعيد رسم الديناميات العائلية ويؤثر على طرق تقديم الدعم بين الأجيال.
قرب الأجيال وتغير أنماط التضامن
تشير النتائج إلى تراجع القرب الجغرافي بين الأسر؛ ففي 2025، يقيم أقل من نصف أرباب الأسر بالقرب من آبائهم، مقارنة بعام 1995، ما أدى إلى انخفاض في التبادلات المباشرة بين الأجيال، وزيادة الاعتماد على الدعم المالي عن بعد بدل الخدمات العينية اليومية. هذا التغير يؤثر على طبيعة العلاقات الأسرية ويبرز الحاجة إلى سياسات داعمة للحماية الاجتماعية والرعاية الأسرية.
الزواج والخصوبة: تغيرات واضحة
شهدت الأسرة المغربية تحولات في الدينامية الزواجية، مع انخفاض رغبة العازبين في الزواج إلى حوالي 52%، خصوصًا بين الرجال، وارتفاع متوسط سن الزواج الأول إلى 26,3 سنة لدى النساء و33,3 سنة لدى الرجال. كما تراجعت الزيجات بين الأقارب من 29,3% إلى 20,9%، ما يعكس تنوعًا اجتماعيًا وجغرافيًا أكبر وتغيرًا في العادات الثقافية المرتبطة بالزواج والخصوبة.
كبار السن والهشاشة الاقتصادية
يظل كبار السن يعيشون غالبًا ضمن الأسر، حيث يقيم 59,3% منهم مع طفل واحد على الأقل، غير أن الهشاشة الاقتصادية ظاهرة بوضوح: 9% فقط لديهم دخل كاف لتلبية احتياجاتهم، في حين أن 31% بلا أي مصدر دخل، خصوصًا النساء. هذا الواقع يعكس الحاجة إلى تعزيز دعم سياسات الحماية الاجتماعية والتكفل بالشيخوخة.
الحركية الاجتماعية وتوزيع المسؤوليات
تظل الحركية الاجتماعية بين الأجيال مرتفعة، مدفوعة بالتحولات الاقتصادية أكثر من تكافؤ الفرص، حيث يشغل نحو 62% من الأفراد وضعية اجتماعية مختلفة عن آبائهم، مع حركية صاعدة لدى 41% مقابل تراجع اجتماعي لدى 21,2%. هذه التغيرات تتقاطع مع توزيع المهام داخل الأسرة، خاصة في ما يتعلق بالأنشطة المنزلية، وأعمال الرعاية، والالتزامات المهنية، ما يبرز الحاجة إلى سياسات عامة لتقاسم الأدوار بين الجنسين وتحقيق التوازن بين الحياة الأسرية والمهنية.
الربط بين الأسرة والاقتصاد
توضح نتائج البحث أن التحولات العائلية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالقيود الاقتصادية، حيث يؤثر تأخر سن الزواج، وتراجع الخصوبة، واستراتيجيات التعايش، على استقلالية الأسر وقدرتها على مواجهة الصعوبات. ويتيح الربط مع البحث الوطني حول القوى العاملة واحتياجات الأسر تحديد أثر جودة العمل، واستقرار المناصب، ونشاط النساء، على إعادة تشكيل البنيات العائلية.
التكيف مع التحولات
يبين البحث أن الأسرة المغربية ما زالت مركزية في التماسك الاجتماعي، رغم التحولات البنيوية، وهي قادرة على التكيف مع الواقع الجديد، لكنها تواجه أشكال هشاشة واحتياجات متزايدة. فهم هذه التحولات ضروري لتكييف السياسات العمومية، وتعزيز التضامن الوطني، وضمان العدالة الاجتماعية، والاستعداد لمستقبل يعكس تعقيدات الحياة الأسرية الحديثة.