لم يكن الشباب المغاربة الذين تجمعوا في ساحات القرى الجبلية بسوس، خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، يدركون أن تلك اللحظات التي وقفوا فيها في طوابير طويلة، أقمصتهم في أيديهم وأجسادهم مكشوفة أمام أعين وسيط أجنبي، لم تكن مجرد بداية رحلة عمل، بل كانت في العمق بداية مسار بطيء نحو مرض مؤجل. لم يكن أحد منهم يتخيل أن سنوات قليلة تحت الأرض ستتحول، بعد عقود، إلى سعال مزمن وضيق تنفس ينتهي بأمراض قاتلة.
في سياق إعادة بناء الاقتصاد الفرنسي بعد الحربين العالميتين، وجدت فرنسا نفسها أمام خصاص حاد في اليد العاملة، خاصة في قطاع استخراج الفحم الحجري، الذي عزف عنه الفرنسيون بسبب قسوته وخطورته. فتم التوجه نحو المغرب، حيث جرى استقدام ما يقارب 80 ألف عامل بعقود عمل تمتد في الغالب إلى 18 شهراً، لكنها كانت تتجدد لتتحول إلى سنوات طويلة من العمل.
من ساحات القرى إلى أعماق المناجم: كيف بدأت الحكاية؟
“فيليبس موغا” كان جندياً فرنسياً كُلّف بمهمة استقدام اليد العاملة من المغرب، مستفيداً من تجربته السابقة خلال فترة خدمته العسكرية في عهد الاستعمار الفرنسي، حيث عاش وسط المغاربة وتعلّم العربية والأمازيغية، مما سهّل عليه التواصل معهم وفهم محيطهم الاجتماعي.
بعد استقلال المغرب، عاد موغا إلى فرنسا، قبل أن يُعاد تكليفه لاحقاً بمهمة تنظيم جلب العمال المغاربة، في إطار اتفاقيات مبرمة بين المغرب وفرنسا لتسهيل استقدام اليد العاملة. خلال هذه المرحلة، تنقّل بين عدة مناطق من المملكة، من بينها ورزازات وتارودانت وتيزنيت وتافراوت وشتوكة آيت باها، حيث ركّز على استقطاب شباب قادرين على تحمّل العمل الشاق في المناجم التي تمتد إلى أعماق كبيرة تحت الأرض.
وقد أولى اهتماماً خاصاً بمناطق سوس والجنوب المغربي، ولا سيما القرى الجبلية، باعتبار أن شبابها يتميزون ببنية جسدية قوية تؤهلهم للعمل في ظروف قاسية، وذلك في سياق موجة هجرة العمال المغاربة نحو فرنسا خلال منتصف القرن العشرين، ضمن عقود عمل محددة المدة.
وكان موغا يعرض على الشباب أجوراً اعتُبرت مغرية في ذلك الوقت، إذ كان العامل يتقاضى حوالي 75 فرنكاً فرنسياً في اليوم. وبعد ما يتم قبولهم، كانوا يخضعون لفحوصات طبية أولية، ثم تُستكمل الإجراءات الإدارية، بما في ذلك استخراج جوازات السفر على نفقة الجانب الفرنسي وتوفير وسيلة السفر عبر البواخر.
كان وقتها يتم انتقاء المرشحين في القرى عبر تجمعات علنية، حيث يُخضعون لفحص جسدي مباشر، وتستمر العملية وفق نظام تدقيق دقيق يعتمد على الطوابع للقبول أو الرفض. وبعد ذلك يخضع المقبولون لفحوصات إضافية في الدار البيضاء قبل التوجه إلى فرنسا، حيث يتم عند وصولهم تنظيم وضعيتهم الإدارية، وفتح حسابات بنكية لتحويل أجورهم لأسرهم، إضافة إلى إخضاعهم لتدريب قصير حول طبيعة العمل وقواعد السلامة داخل المناجم.
بيئة قاسية فوق الأرض وتحتها
عقب وصولهم إلى فرنسا، لم يكن أمام العمال وقت طويل للتأقلم، إذ يتم إدماجهم بسرعة في منظومة العمل، بعد تدريب قصير لا يتجاوز بضعة أيام. غير أن هذا التكوين المحدود لم يكن كافياً لفهم حجم المخاطر.
في المناجم، كان العمال ينزلون يومياً إلى أعماق تصل إلى ألف متر، في بيئة مغلقة، ضعيفة التهوية، ومشبعة بغبار الفحم. كانت المهام المسندة إليهم من بين الأكثر صعوبة وخطورة، وغالباً ما كانوا يُكلفون بالأعمال التي يتجنبها غيرهم. وفي حالات الرفض، كان العامل يُعاقب بأعمال أكثر قسوة، مثل نقل الأكياس الثقيلة لساعات طويلة.
خارج المنجم، لم تكن الظروف أفضل حالاً، إذ عاش العمال في مساكن جماعية بسيطة، غالباً ما كانت مصنوعة من الخشب، تعاني من الرطوبة والبرد وغياب التدفئة. هذه البيئة غير الصحية ساهمت بشكل مباشر في إضعاف الجهاز التنفسي، وجعلت العمال أكثر عرضة للأمراض، في تداخل واضح بين بيئة عمل خطرة وظروف عيش قاسية.
غبار الفحم… مرض يبدأ بصمت وينتهي بالموت
الخطر الحقيقي لم يكن مرئياً. فغبار الفحم الذي كان العمال يستنشقونه يومياً لم يكن يسبب أعراضاً فورية، بل كان يتراكم تدريجياً داخل الرئتين. هذه الجزيئات الدقيقة تستقر في الحويصلات الرئوية، وتُحدث التهابات مزمنة تتحول مع الوقت إلى أمراض خطيرة.
المفارقة أن هذه الأمراض لم تظهر خلال سنوات العمل، بل بعده بسنوات طويلة، وغالباً بعد التقاعد. في البداية، كانت الأعراض خفيفة، مثل سعال متكرر أو ضيق بسيط في التنفس، لكن مع مرور الزمن، بدأت تتفاقم لتتحول إلى أمراض قاتلة مثل التليف الرئوي وداء “رئة الفحم” وسرطان الرئة.
طبيعة هذه الأمراض البطيئة، التي قد تستغرق عشر إلى عشرين سنة قبل أن تظهر بوضوح، جعلت العديد من العمال لا يربطونها مباشرة بعملهم في المناجم، ما أدى إلى تأخر التشخيص والعلاج.
مدة العمل… الفاصل بين النجاة والموت
تكشف المعطيات المرتبطة بمسارات هؤلاء العمال أن العامل الحاسم في تحديد مصيرهم الصحي لم يكن القوة الجسدية، بل مدة التعرض لغبار الفحم. فكلما طالت سنوات العمل داخل المناجم، زادت احتمالات الإصابة، بسبب التراكم المستمر للغبار داخل الرئتين.
في المقابل، تشير الوقائع إلى أن الناجين من هذا الجيل هم في الغالب الذين لم يمكثوا طويلاً في المناجم أو غادروها مبكراً. هذه المفارقة تجعل المرض يبدو وكأنه نتيجة شبه حتمية للتعرض الطويل، وليس مجرد احتمال.
جيل دفع صحته مقابل لقمة العيش
اليوم، وبعد مرور عقود، لا تزال آثار هذه التجربة حاضرة، ليس فقط في الذاكرة الجماعية، بل في أجساد من تبقى من ذلك الجيل. فالأمراض التي بدأت في أعماق الأرض لم تنتهِ هناك، بل رافقت أصحابها حتى نهاية حياتهم، لتكشف حقيقة واضحة: لم تكن الهجرة إلى مناجم الفحم مجرد رحلة عمل، بل كانت مساراً طويلاً نحو مرض مؤجل، دفع ثمنه آلاف المغاربة بصمت.
لم يعد كثير من أولئك الرجال على قيد الحياة، بينما بلغ من بقي منهم سنا متقدمة، مثقلا بذكريات الرحيل الأولى. بعضهم عاد إلى قريته، يحمل معه حكايات المناجم والموانئ، وآخرون اختاروا البقاء حيث استقر بهم المقام.
البيوت التي بُنيت بأموال المناجم أخفت وراءها تكلفة أخرى، أقل وضوحاً لكنها أكثر قسوة، هي استنزاف صحة جيل كامل. ورغم أن هذه الهجرة ساهمت في تحسين الوضع الاقتصادي لعدد من الأسر، فإن الثمن الصحي كان باهظاً، خاصة في ظل صعوبة الاعتراف بهذه الأمراض كأمراض مهنية، وغياب تعويضات أو متابعة طبية كافية.