في أروقة المعرض الدولي للنشر والكتاب هذه السنة، يبرز تحول هادئ لكنه عميق في خريطة الإقبال القرائي، حيث بدأت المؤلفات باللغة الفرنسية تفقد جزءاً من بريقها الذي طالما ميز حضورها، مقابل صعود لافت للكتب الصادرة باللغة الإنجليزية، في مشهد يعكس تحولات أوسع في الذوق الثقافي واتجاهات التعلم والانفتاح لدى القراء، خاصة من فئة الشباب.

هذا التراجع النسبي في الإصدارات الفرنسية لا يعني غيابها، بقدر ما يكشف عن إعادة ترتيب للأولويات داخل سوق الكتاب. فبين رفوف دور النشر، يتجه الزوار، خصوصاً الطلبة والشباب، نحو اقتناء الكتب الإنجليزية، سواء تعلق الأمر بالروايات العالمية أو مؤلفات التنمية الذاتية والعلوم والتكنولوجيا، وهو اختيار يعكس وعياً متزايداً بأهمية هذه اللغة في الدراسة وسوق الشغل.

ويُرجع متتبعون هذا التحول إلى عوامل متعددة، من بينها تنامي حضور اللغة الإنجليزية كلغة للمعرفة والبحث العلمي، إلى جانب هيمنة المحتوى الرقمي العالمي المنتج بهذه اللغة. كما ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية في تعزيز هذا التوجه، حيث بات الشباب أكثر ارتباطاً بالثقافة الأنغلوساكسونية بمختلف تجلياتها.
ومن المظاهر اللافتة أيضاً داخل المعرض، الإقبال الكبير على كتب الأطفال، خاصة تلك المصورة التي تجمع بين التلوين والألعاب والقصص التفاعلية، حيث تستقطب هذه الفئة اهتمام الأسر بشكل واضح، في ظل سعي الآباء إلى ترسيخ علاقة مبكرة بين الطفل والكتاب.


غير أن المفارقة التي تبرز داخل هذا الفضاء الثقافي، تتمثل في اختلاف اختيارات الأجيال؛ ففي الوقت الذي يُلاحظ فيه أن الآباء يميلون إلى اقتناء مؤلفات باللغة الفرنسية لأطفالهم، في امتداد طبيعي لمرجعيتهم التعليمية والثقافية، يتجه الشباب بشكل متزايد نحو الكتب الإنجليزية، باعتبارها لغة الحاضر والمستقبل. ويعكس هذا التباين نوعاً من التحول التدريجي داخل المجتمع، حيث يحاول الآباء، بشكل غير مباشر، إعادة إنتاج اختياراتهم اللغوية، في حين يسعى الجيل الجديد إلى الانفتاح على آفاق أوسع عبر اللغة الإنجليزية.


ورغم أن فرنسا تحل ضيف شرف هذه الدورة، بحضور ثقافي لافت وبرمجة غنية، فإن ذلك لم يمنع من بروز هذا التحول في ميولات القراء، حيث لم يعد العامل الرمزي كافياً للحفاظ على نفس مستوى الإقبال على الكتاب الفرنسي، في ظل تغير أولويات القراء وتوجهاتهم.
وفي المقابل، يلاحظ عدد من الزوار أن أسعار الكتب الفرنسية تظل مرتفعة نسبياً، خاصة في ما يتعلق بالإصدارات الفكرية والثقافية، وهو ما يحد من الإقبال عليها، خصوصاً لدى فئات واسعة من الطلبة. كما تُوصف بعض هذه المؤلفات بطابعها “النخبوي”، ما يجعلها أقل جاذبية مقارنة بكتب أكثر بساطة وارتباطاً بالاهتمامات اليومية.
ورغم هذا التحول، لا تزال الفرنسية تحتفظ بحضورها في مجالات معينة، خاصة في الكتب الأكاديمية والقانونية وبعض الروايات الكلاسيكية، غير أن هذا الحضور لم يعد بنفس القوة التي كان عليها في السابق، أمام الزخم المتزايد للإنجليزية.
وقد بدأت بعض دور النشر بدورها في التكيف مع هذه الدينامية الجديدة، من خلال توسيع عروضها من الكتب الإنجليزية، أو الاتجاه نحو الترجمة إلى العربية، في محاولة لاستقطاب جمهور أوسع يتغير ذوقه باستمرار.
هذا التحول اللغوي داخل المعرض يعكس في عمقه تحولات مجتمعية وثقافية أوسع، حيث لم يعد القارئ رهين لغة واحدة، بل أصبح أكثر انتقائية وانفتاحاً، يبحث عن المعرفة حيثما وجدت، وباللغة التي تفتح له آفاقاً أرحب.
وهكذا، يظل المعرض الدولي للنشر والكتاب فضاءً يتجاوز عرض الكتب إلى قراءة المجتمع نفسه، حيث تكشف رفوفه عن ملامح جيل جديد يعيد تشكيل علاقته بالقراءة، في زمن تتسارع فيه التحولات وتتعدد فيه الخيارات.





