أزمة البطاقة المهنية تربك الصحافيين

لا يزال الغموض يلف مصير تجديد البطاقة المهنية للصحافة، في ظل صمت وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وغياب أي توضيح رسمي يهم الوضعية القانونية للبطاقات التي انتهت صلاحيتها، وهو ما وضع الجسم الصحافي أمام حالة ارتباك غير مسبوقة، وفتح بابا واسعا للأسئلة حول شرعية الممارسة المهنية في مرحلة انتقالية طويلة وغير واضحة المعالم.

فمنذ أسابيع، ومع انتهاء صلاحية بطاقة الصحافة المهنية، لم يصدر أي بلاغ يحدد ما إذا كانت هذه البطاقة تظل صالحة إلى حين فتح باب التجديد، أم أن الصحافي أصبح مطالبا، من حيث الواقع القانوني، بحيازة بطاقة سارية المفعول حتى لا يجد نفسه في وضعية ملتبسة قد تقترب من شبهة انتحال الصفة، وهو وضع يصفه مهنيون بالحرج، لأن البطاقة لم تكن في أي وقت مجرد وثيقة إدارية، بل أداة قانونية لتنظيم المهنة، وضمانة للاعتراف بالصحافي المهني، والتمييز بينه وبين المتطفلين على العمل الإعلامي.

هذا الارتباك يتغذى، في جزء كبير منه، من حالة الفراغ المؤسساتي التي يعرفها قطاع الصحافة، بعد انتهاء مهام اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون المجلس الوطني للصحافة، في انتظار إخراج الصيغة الجديدة للقانون المنظم للمجلس، الذي يُفترض أن يؤطر، من جديد، آليات منح وتجديد البطاقة المهنية، ويعيد ترتيب منظومة التنظيم الذاتي للقطاع.

غير أن هذا المسار بدوره تعثر، بعدما أعيد مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة إلى البرلمان، عقب قرار المحكمة الدستورية الذي قضى بعدم دستورية عدد من مقتضياته، وقد همت ملاحظات المحكمة، بالأساس، بعض المواد المتعلقة بتركيبة المجلس الوطني للصحافة، وتوازن التمثيلية بين فئتي الصحافيين المهنيين والناشرين، إضافة إلى مقتضيات مرتبطة بصلاحيات رئاسة المجلس وبكيفية تنظيم هيئات التأديب والاستئناف داخله، معتبرة أن الصيغة المعتمدة لا تنسجم في بعض جوانبها مع المبادئ الدستورية المؤطرة للتنظيم الذاتي للمهن واستقلالية الهيئات.

وبإعادة النص إلى مسطرة التشريع، عاد ملف تنظيم المجلس الوطني للصحافة إلى نقطة سياسية وتشريعية معقدة، في وقت كان الجسم الصحافي ينتظر خروجا مؤسساتيا يضع حدا لمرحلة انتقالية طالت أكثر مما ينبغي. وكنتيجة مباشرة لذلك، بقي ملف البطاقة المهنية معلقا، دون أفق زمني واضح، ودون أي آلية مؤقتة تعوض غياب مؤسسة قائمة الصلاحيات تتولى عملية التجديد.

في المقابل، يثير مهنيون تساؤلات حقيقية حول مسؤولية الوزارة الوصية في تدبير هذه المرحلة، مؤكدين أن التعثر التشريعي لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لغياب التواصل، ولا إلى سبب لتعليق أحد أهم الملفات المرتبطة بالوضع المهني والقانوني للصحافيين، فالحد الأدنى المنتظر، وفق تعبير عدد من الفاعلين، هو توضيح رسمي صريح يحدد وضعية البطاقة المنتهية الصلاحية، ويبين الإطار المعتمد مؤقتا إلى حين استكمال مسطرة إعادة تنظيم المجلس.

ويزداد هذا القلق حدة بالنظر إلى الانعكاسات العملية لهذا الوضع، سواء على مستوى ولوج الصحافيين إلى المعلومة، أو في علاقتهم بالإدارات العمومية والمؤسسات المنتخبة، أو أثناء تغطية الأنشطة الرسمية، حيث تظل البطاقة المهنية أداة إثبات أساسية للصفة، في ظل واقع إداري لا يعترف غالبا إلا بالوثائق السارية المفعول.

ويرى متابعون للشأن الإعلامي أن أزمة البطاقة المهنية لم تعد مسألة تقنية مرتبطة بتأخر إداري عابر، بل أصبحت مؤشرا دالا على عمق الاختلال الذي يطبع مسار تنظيم قطاع الصحافة، وعلى هشاشة الانتقال بين مرحلة اللجنة المؤقتة ومرحلة المجلس الجديد، في غياب حلول انتقالية واضحة ومعلنة، كما أن ربط مصير البطاقة المهنية كليا بإخراج قانون المجلس الوطني للصحافة، دون أي تدبير مواز يضمن استمرارية الاعتراف القانوني بالصحافيين المهنيين، يطرح، في نظر عدد من المهنيين، إشكالا حقيقيا في منطق تدبير المهنة، ويجعل الصحافي رهينة لمسار تشريعي مفتوح على كل الاحتمالات.

وفي ظل هذا الوضع، يجد الصحافي نفسه أمام مفارقة صعبة: يمارس مهنة منظمة بقوانين، ويحمل بطاقة انتهت صلاحيتها بحكم الزمن، لا بحكم الإخلال بالشروط، لكنه لا يتوفر في المقابل على أي سند رسمي يؤكد أن وضعيته ما زالت محمية قانونا، وهو ما يطرح سؤالا مقلقا داخل الجسم الإعلامي حول ما إذا كان المهني، في هذا السياق الانتقالي، ما زال يتمتع بالصفة التي تميز بينه وبين منتحليها، أم أن غياب التجديد جعله، بحكم الأمر الواقع، في منطقة رمادية لا تعترف بها النصوص ولا تحسم فيها الإدارة.

أمام هذا الواقع، تتجه الأنظار إلى وزارة الشباب والثقافة والتواصل، في انتظار خروجها عن صمتها، وتقديم توضيحات تضع حدا لهذا الارتباك، وتؤسس لمعالجة انتقالية واضحة لملف البطاقة المهنية، إلى حين استكمال مسطرة إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، فاستمرار الوضع الحالي، دون سقف زمني محدد ودون تواصل رسمي مسؤول، لا يخدم استقرار المهنة، ولا يعزز الثقة في مسار إصلاح قطاع الصحافة، بقدر ما يراكم الإحساس بالهشاشة واللايقين داخل واحدة من أكثر المهن ارتباطا بالدستور وحرية التعبير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.