مع حلول إيض ن يناير، رأس السنة الأمازيغية، لا يقتصر الاحتفال في البيوت المغربية على الطقوس الرمزية أو تبادل التهاني، بل يمتد إلى المطبخ باعتباره خزّان الذاكرة الجماعية. ومن بين الأطباق التي تحضر بقوة في هذه المناسبة، يبرز أوركيمن كأكثر من وجبة، بل كطقس اجتماعي وثقافي متجذر في عمق الهوية الأمازيغية.
أوركيمن طبق تقليدي يُحضَّر من خليط متنوع من البذور والحبوب، مثل القمح، الشعير، الذرة، الحمص، الفول، وأحياناً بذور أخرى بحسب اختلاف المناطق. تُطهى هذه المكونات معاً في طقس جماعي يعكس فلسفة الأمازيغ في العيش: التنوع، التشارك، والارتباط الوثيق بالأرض.
ولا يُنظر إلى أوركيمن كوجبة عادية، بل كرسالة رمزية مفادها أن السنة القادمة ستكون عامرة بالخيرات، حيث يرمز تعدد البذور إلى الأمل في تنوع المحاصيل ووفرة الرزق. لذلك، تحرص الأسر على تحضيره خصيصاً في ليلة إيض ن يناير، وتقديمه لجميع أفراد العائلة دون استثناء.
في القرى، يشكل إعداد أوركيمن مناسبة عائلية بامتياز، تتقاسم فيها النساء مراحل التحضير، بينما ينتظر الأطفال لحظة التقديم بشغف، في أجواء تختلط فيها الذاكرة بالاحتفال. أما في المدن، فقد أصبح أوركيمن طقساً مستعاداً، تعبيراً عن التشبث بالهوية الأمازيغية في زمن التغيرات المتسارعة.
ورغم بساطة مكوناته، فإن أوركيمن يحمل عمقاً ثقافياً كبيراً، إذ يعكس علاقة الإنسان الأمازيغي بالطبيعة، واحترامه لدورة الفصول، وإيمانه بأن البركة تبدأ من الأرض وتنتهي على مائدة جماعية.
هكذا، يظل أوركيمن في إيض ن يناير أكثر من طبق تقليدي؛ إنه ذاكرة فلاحية وهوية ثقافية، تختصر في حباتها الصغيرة تاريخاً طويلاً من العيش المشترك مع الأرض والزمان.