الأندلس في معرض الرباط: إرث حضاري مشترك ومهدٌ لنهضة الغرب

في إطار فعاليات المعرض الدولي للكتاب والنشر بالرباط، احتضنت الدورة الحادية والثلاثون ندوة فكرية بعنوان “الأندلس إرث حضاري مشترك بين المغرب والعالم”، سلطت الضوء على الامتداد التاريخي والثقافي العميق للتجربة الأندلسية، وما خلفته من تأثيرات بارزة في مسار الحضارة الإنسانية.

وفي هذا السياق، أكد أحمد شحلان، عضو أكاديمية المملكة المغربية وأستاذ اللغة العبرية والدراسات الشرقية، أن أعلاما كبارا من قبيل ابن طفيل وابن حزم وابن رشد يجسدون ذروة الإشعاع المعرفي الذي بلغته الأندلس، معتبرا أنهم شكلوا دعائم أساسية قامت عليها ملامح الحضارة الغربية لاحقا.

وخلال الندوة التي أدارها الأكاديمي محمد العمارتي، أبرز شحلان المكانة الفكرية لابن حزم، مشيرا إلى أن مؤلفه “طوق الحمامة” يعد من أبدع ما كُتب في أدب الحب، إذ جمع بين التوثيق التاريخي والتجربة الذاتية، فيما قدّم في كتاب “مراتب العلوم” تصورا متكاملا لبناء مدينة العلم، انطلاقا من تربية الطفل وفق مراحل عمره، وصولا إلى العلوم الدقيقة كالتشريح والرياضيات والفلك. كما اعتبر كتابه “الفصل” من أوائل المؤلفات في مجال مقارنة الأديان.

وتوقف المتحدث أيضا عند تجربة ابن رشد، الذي انتقل من العلوم الشرعية إلى الانفتاح على الفلسفة والمعارف الإنسانية، وهي الأفكار التي وجدت صداها لاحقا في أوروبا، خاصة في إيطاليا، وأسهمت في تمهيد الطريق لنهضتها الحديثة.

وفي استعراضه للمسار التاريخي للأندلس، أوضح شحلان أن هذه الحضارة لم تتبلور بشكل واضح في بداياتها بعد فتحها على يد طارق بن زياد، إلى أن جاء عبد الرحمن الداخل الذي أسس لمرحلة الاستقرار ووحّد المرجعية الفقهية، ما أتاح بروز معالم الفكر والثقافة خلال قرون من الازدهار. كما أشار إلى تعاقب مراحل سياسية مختلفة، من عصر ملوك الطوائف إلى حكم المرابطين والموحدين، وهي فترات شهدت نموا سكانيا وثقافيا ملحوظا.

وسلط شحلان الضوء على التنوع الاجتماعي والديني داخل الأندلس، حيث تعايشت مكونات متعددة من العرب والأمازيغ والمولّدين والمستعربين واليهود، في إطار ثقافي مشترك جعل اللغة العربية لغة جامعة، حتى بين غير المسلمين.

من جانبه، تناول الحسين بوزينب، العضو المراسل للأكاديمية الملكية للغة الإسبانية، موضوع “الإنسان الأندلسي الأخير”، متوقفا عند وضعية الموريسكيين الذين حافظوا، لفترة، على نوع من الاستقلالية داخل المجتمع الإسباني قبل أن تتغير أوضاعهم لاحقا.

وأشار بوزينب إلى أن التجربة الموريسكية لم تكن موحدة، بل اتسمت بتنوع كبير بحسب المناطق، مستشهدا بنماذج مثل جماعة “هورناتشوس” التي استقرت لاحقا في الرباط، ونسجت علاقات معقدة داخل المجال الإسباني.

كما أبرز أهمية اكتشاف مخطوطات موريسكية في منطقة آراكون قرب سرقسطة سنة 1884، والتي تضمنت نصوصا مكتوبة بالإسبانية بحروف عربية، تعكس مرحلة ثقافية انتقالية حاول فيها الموريسكيون التوفيق بين هويتهم الإسلامية والواقع الجديد.

وختم بوزينب بالإشارة إلى أن هذه النصوص تكشف عن حالة من التداخل والارتباك الثقافي في أواخر العهد الأندلسي، حيث سعت بعض الكتابات إلى مزج عناصر من الإسلام والمسيحية، في محاولة للتكيف مع التحولات السياسية والدينية التي أعقبت سقوط الأندلس، وهي مرحلة لم تحظ بالاهتمام العلمي الكافي إلا ابتداء من النصف الثاني من القرن العشرين.

شارك التدوينة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار

إعلان