في زمن التحول الرقمي المتسارع، لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة للترفيه أو التعلم، بل أصبحت فاعلًا أساسيًا داخل الفضاء الأسري، يعيد تشكيل أنماط التنشئة والتواصل بين أفراد الأسرة. هذا التحول العميق يطرح أسئلة ملحّة حول قدرة الأسر على مواكبة هذا التغير، وضبط تأثيراته المتزايدة على الأطفال واليافعين.
في هذا السياق، كشف التقرير الوطني حول الأسرة لسنة 2025، الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط، عن معطيات مقلقة بخصوص الحضور المتنامي للتكنولوجيا الرقمية داخل البيوت المغربية، حيث تحولت الأجهزة الذكية إلى عنصر مؤثر في تربية الأبناء، في ظل تراجع ملحوظ لأدوار التأطير والمراقبة الأسرية.
وأوضح التقرير أن استخدام الوسائط الرقمية لم يعد سلوكًا هامشيًا، بل أضحى جزءًا من الحياة اليومية للأطفال والشباب، إذ تصل نسبة المستخدمين المنتظمين ضمن الفئة العمرية بين 5 و17 سنة إلى 61.3% على الصعيد الوطني، وترتفع هذه النسبة في الوسط الحضري إلى 67.6%، ما يعكس تحوّلًا واضحًا في طرق التعلم والترفيه لدى الجيل الجديد.
غير أن المعطى الأبرز يتمثل في محدودية المواكبة الأسرية، حيث أشار التقرير إلى أن أكثر من ثلث الأطفال (35.1%) يستخدمون الإنترنت دون رقابة أو توجيه من الوالدين. وتبدو هذه الظاهرة أكثر حدة في العالم القروي، حيث تصل نسبة غياب المراقبة إلى 42.5%، وهو ما يفسره مختصون بعوامل متعددة، من بينها الفجوة الرقمية بين الأجيال، أو انشغال الأسر بتحديات العيش اليومية.
كما أظهرت نتائج التقرير أن تأثير الرقمنة لم يعد مقتصرًا على الاستعمال الفردي، بل امتد ليطال تماسك العلاقات الأسرية، إذ صرّح 30.8% من المستجوبين بأن التكنولوجيا أصبحت مصدرًا للتوتر داخل الأسرة، نتيجة تراجع التواصل المباشر وازدياد ما يمكن وصفه بـ”العزلة داخل البيت الواحد”.
وبخصوص المخاطر المرتبطة بهذا الاستخدام، عبّر أرباب الأسر عن تخوفهم أساسًا من تعرض الأطفال لمحتويات غير ملائمة، إضافة إلى تنامي ظاهرة الإدمان الرقمي، وما يترتب عنها من انعكاسات على التحصيل الدراسي والتوازن النفسي. في المقابل، لا تزال نسبة محدودة فقط من الأسر (حوالي 15%) تلجأ إلى أدوات الحماية الرقمية أو تطبيقات المراقبة لمتابعة أنشطة أبنائها على الإنترنت.
ويخلص التقرير إلى أن الأسرة المغربية تواجه اليوم تحديًا معقدًا، يتمثل في ضرورة التوفيق بين تمكين الأبناء من مهارات العصر الرقمي، وضمان حمايتهم من مخاطره، في ظل محدودية الكفايات الرقمية لدى عدد من الآباء. وهو ما يدعو، وفق التقرير، إلى بلورة سياسات عمومية تعزز التثقيف الرقمي للأسر وتدعم أدوارها التربوية في هذا المجال.