تشهد التحقيقات الجنائية المرتبطة بالاعتداءات الجنسية تحديات متزايدة بسبب محدودية الأدلة البيولوجية التقليدية، في ظل غياب الحيوانات المنوية في نسبة مهمة من القضايا، وهو ما يدفع نحو البحث عن بدائل علمية أكثر تطورا. وفي هذا السياق، أكدت حكيمة بن يحيى، رئيسة المختبر الوطني للشرطة العلمية والتقنية، أن التطور المتسارع في علوم الجينوم والتقنيات الوراثية بات يفرض إعادة بناء أدوات البحث الجنائي وفق مقاربات حديثة تجمع بين الدقة العلمية وحماية المعطيات الشخصية الحساسة.
وأوضحت بن يحيى، خلال ندوة علمية نظمتها اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي بالرباط حول حماية المعلومات الجينومية، أن حوالي 40 في المائة من قضايا الاعتداءات الجنسية لا يتم فيها العثور على حيوانات منوية، ما يحدّ من فعالية التحاليل التقليدية ويجعل اللجوء إلى تقنيات جينية متقدمة ضرورة ملحة لتعزيز نجاعة العدالة الجنائية وكشف الحقيقة العلمية بدقة أكبر.
وأكدت أن هذا المعطى يعكس محدودية المقاربات التقليدية في التعامل مع الأدلة البيولوجية داخل مسرح الجريمة، خاصة في القضايا التي تتطلب حساسية عالية في جمع وتحليل العينات، مشددة على أن التطور التكنولوجي في مجال الجينوم لم يعد مجرد خيار تقني، بل أصبح ضرورة لإعادة بناء أدوات التحقيق العلمي على أسس أكثر دقة وفعالية.
وفي استعراضها للإطار المؤسسي الذي يعمل ضمنه المختبر الوطني للشرطة العلمية والتقنية بالدار البيضاء، أبرزت بن يحيى أن هذه المؤسسة التابعة للمديرية العامة للأمن الوطني تم إنشاؤها وفق معايير دولية صارمة من حيث التجهيزات والبنية التحتية والمساطر التقنية، كما تُعد أول مختبر مغربي يحصل على اعتماد “ISO 17025” في مجال العلوم الجنائية، إضافة إلى كونه معتمدا في 22 مجالا تخصصيا يشمل مختلف التقنيات الجنائية الحديثة.
وأشارت إلى أن المختبر يضطلع بتحليل الأدلة المادية والبيولوجية والرقمية المستخرجة من مسارح الجرائم، بما في ذلك الحمض النووي والسموم والمواد المخدرة والمقذوفات والآثار الرقمية، بهدف دعم التحقيقات القضائية بأدلة علمية دقيقة تساعد في تحديد هوية الجناة أو الضحايا وتعزيز فعالية العدالة الجنائية.
وأضافت أن تحليل الحمض النووي داخل المختبر يعتمد على قواعد بيانات متقدمة تشمل الصبغيات الجسدية وكروموسوم “Y”، بما يسمح بتوسيع نطاق المقارنات ورفع دقة النتائج، خصوصا في القضايا المعقدة التي تتطلب تحليلات بيولوجية متقدمة.
وفي حديثها عن التطور التاريخي لعلم الأدلة الجنائية، أوضحت بن يحيى أن بدايات هذا المجال تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر مع أعمال ألفونس بيرتيلون في القياسات الأنثروبومترية لتحديد الهوية، قبل أن يؤسس إدموند لوكارد لمبدأ تبادل الآثار بين المجرم ومسرح الجريمة، وهو المبدأ الذي أصبح حجر الأساس في العلوم الجنائية الحديثة، إلى جانب إسهامات بول كيرك المتعلقة بتفرد البصمة المادية لكل عنصر بشري أو مادي.
كما تطرقت إلى تطور تقنيات البيومتريا التي باتت تعتمد على مؤشرات بيولوجية وسلوكية متعددة، مثل البصمة الوراثية وبصمات الأصابع والتعرف على الوجه وقزحية العين والصوت والأسنان، مشيرة إلى أن عددا من هذه التقنيات أصبح معتمدا أمام القضاء ويُستخدم في بناء قواعد بيانات جنائية، بينما لا تزال تقنيات أخرى، مثل تحليل أنماط المشي وبصمة الأذن، في طور التطوير.
وأكدت رئيسة المختبر أن تقنيات تحليل الحمض النووي شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورا كبيرا، خاصة مع اعتماد تقنيات “STR” التي تركز على مناطق غير مشفرة من الجينوم وتشكل أساس البصمة الوراثية الحديثة، موضحة أن عدد الواسمات المستخدمة في التحليل الجنائي تطور بشكل ملحوظ، ما عزز القدرة التمييزية للتحليلات إلى مستويات دقيقة للغاية.
كما توقفت عند الطفرة التي أحدثتها تقنيات التسلسل الجيني الحديثة “NGS”، والتي أتاحت تحليل عدد كبير من العينات بشكل متزامن وبدقة أعلى، فضلا عن تحسين القدرة على استرجاع الحمض النووي المتدهور من العينات الصعبة، مثل العظام والأنسجة المتحللة، الأمر الذي ساهم في تحقيق نتائج دقيقة في قضايا الأشخاص المفقودين وضحايا الكوارث الطبيعية والجرائم الإرهابية.
وأبرزت بن يحيى أن هذه التطورات التقنية ساهمت في تحقيق تقدم نوعي في مجالات متعددة، من بينها تحديد هوية ضحايا الكوارث الكبرى، مثل زلزال الحوز سنة 2023، إضافة إلى حل قضايا النسب والنزاعات البيولوجية، غير أنها شددت في المقابل على أن هذه الإمكانيات العلمية تطرح تحديات جديدة مرتبطة بتأويل النتائج وحدود استخدامها داخل المساطر القضائية.
وفي جانب آخر، لفتت إلى الإشكالات المرتبطة بتحديد طبيعة العينات البيولوجية، خاصة في الحالات التي يصعب فيها التمييز بين مصادرها، سواء تعلق الأمر بالدم البشري أو غير البشري أو أنواع أخرى من السوائل البيولوجية، مشيرة إلى أن محدودية بعض التقنيات الحالية تنعكس بشكل مباشر على دقة التحاليل الجنائية.
وبخصوص قضايا الاعتداءات الجنسية، أكدت بن يحيى أن غياب الحيوانات المنوية في نسبة مهمة من الملفات يفرض البحث عن بدائل علمية أكثر تطورا، خاصة في القضايا التي لا يتم فيها العثور على آثار بيولوجية تقليدية، معتبرة أن تطوير تقنيات جديدة أصبح ضرورة لضمان فعالية العدالة الجنائية.
وفي هذا الإطار، دعت إلى اعتماد مقاربات علمية حديثة تشمل تحليل النقل الميكروبي بين الجاني والضحية، واستغلال تحليل “الميكروبيوم” وربط المعطيات الجينية بالتقنيات المعلوماتية الحيوية، إضافة إلى تطوير أدوات التنميط الظاهري الوراثي القادرة على استنتاج صفات خارجية أو أصول جغرافية انطلاقا من الحمض النووي.
كما شددت على أهمية إدماج تقنيات تحليل الأنسجة عبر “micro-RNA”، بما يسمح بالتمييز بين أنواع دقيقة من الأنسجة البيولوجية، مثل التفريق بين دم الحيض والدم المحيطي، معتبرة أن هذه الابتكارات قد تُحدث تحولا نوعيا في عمل المختبرات الجنائية خلال السنوات المقبلة.
وفي ما يتعلق بحماية المعطيات الشخصية، أكدت بن يحيى أن التوسع في استخدام الحمض النووي داخل التحقيقات الجنائية يثير أسئلة قانونية وأخلاقية جوهرية حول حدود استغلال المعطيات الجينية، خاصة مع تزايد الاعتماد على المناطق المشفرة من الجينوم وليس فقط غير المشفرة، ما يفتح نقاشا واسعا حول حماية الحياة الخاصة للأفراد.
وأشارت إلى أن عددا من التجارب الدولية، خصوصا في بعض الدول الأوروبية، اتجه نحو تكييف الأطر القانونية مع تقنيات التنميط الوراثي والتسلسل الجيني، داعية إلى تطوير اجتهاد تشريعي وقضائي وطني قادر على مواكبة هذا التطور العلمي المتسارع.
كما استحضرت التجربة الأمريكية في مجال “الأنساب الجينية الجنائية”، التي تعتمد على الربط بين قواعد بيانات الحمض النووي ومصادر مفتوحة لتحليل العلاقات العائلية، مؤكدة أن هذا النوع من التحليل يسمح أحيانا بتتبع روابط بيولوجية تمتد إلى أجيال متقدمة، وهو ما يثير بدوره إشكالات عميقة مرتبطة بالخصوصية وحماية البيانات.





