الطلبة وهواة القراءة في مواجهة أسعار الكتب… شغف كبير وفرص محدودة في معرض الكتاب

في أروقة المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، لا تبدأ الحكاية دائمًا من الصفحة الأولى، بل من لحظة الوقوف أمام الرفوف. شباب يمرّون بين العناوين كمن يمرّ بين أحلام كثيرة دفعة واحدة، لكنهم قبل أن يفتحوا أي كتاب، يفتحون شيئًا آخر أولًا: السعر. تتأخر القراءة لحظة، ويتقدم الحساب، وكأن المعرفة نفسها باتت مشروطة بما في الجيب قبل ما في الفكر.

ولعلّ معرض الكتاب بالنسبة لهواة القراءة يشبه طفلًا صغيرًا دخل سيركًا للمرة الأولى، أو ولج فضاءً تجاريًا تتدلى فيه الألعاب وتتناثر فيه الحلويات في كل زاوية؛ تتسع عيناه دهشةً أمام هذا العالم المزدحم بالخيارات، وتندفع رغبته ليلمس كل شيء ويقترب من كل عنوان، كأنه يخشى أن يفوته شيء من هذا البهاء الورقي. غير أن هذه الدهشة سرعان ما تصطدم بحدود الواقع، حين يُجبر على الاختيار، لا بين كتب متساوية في الشغف، بل بين رغبات أكبر من قدرته الشرائية، فيتحول الفرح الأول إلى حيرة صامتة، وإلى انتقاء يشبه التنازل أكثر مما يشبه الاكتشاف.

في هذا المشهد، لا يبدو الأمر مجرد زيارة ثقافية عابرة، بل تجربة نفسية معقدة يعيشها الزائر بين الرغبة والقدرة. طالب جامعي يقف أمام جناح يضم مراجع تخصصه، يترقب آخر منحة دراسية في السنة كما يترقب نجاة صغيرة، ليتمكن من اقتناء كتب لا غنى عنها في مساره الأكاديمي. لكنه سرعان ما يكتشف أن المنحة، بكل ما تحمله من أمل، لا تكاد تكفي إلا لكتاب أو اثنين، فيضطر إلى إعادة ترتيب أولوياته، وكأن المعرفة أصبحت سلعة تُجزأ بدل أن تُنال كاملة.

وبالقرب منه، موظف يحمل في ذهنه قائمة طويلة من العناوين التي دوّنها بعناية في دفتر صغير، كأنه يخطط لرحلة فكرية مؤجلة. ينتظر راتبه الشهري ليحوّله إلى كتب مؤجلة الشراء، لكنه يصطدم بدوره بواقع الأسعار التي تفوق توقعاته، فيؤجل ما كان يؤجَّل أصلًا، أو يختصر قائمته رغماً عنه، تاركًا خلفه كتبًا كانت جزءًا من حلم القراءة لا مجرد رغبة عابرة.

ومع اتساع هذه الفجوة، يجد بعض الشباب أنفسهم يلجؤون إلى حل بديل لا يشبه طموحهم الثقافي، فيكتفون بتصوير أغلفة الكتب التي أثارت شغفهم، على أمل أن يعثروا عليها لاحقًا بصيغ رقمية على الإنترنت، كأن الكتاب الورقي يتحول إلى صورة مؤجلة، والقراءة إلى احتمال غير مضمون.

وهكذا، يطرح المشهد سؤالًا يتجاوز أروقة المعرض نفسه: ما جدوى فضاء للكتاب إذا كان الوصول إليه محكومًا بقدرة شرائية لا تشمل الجميع؟ وهل يمكن للمعرفة أن تؤدي دورها الكامل إذا ظلّت مرتبطة بأسعار تضع القارئ أمام اختبار دائم بين الشغف والإمكان؟

بين الرفوف المضيئة والجيوب المثقلة بالحسابات، يبقى الكتاب حاضرًا، لكن الوصول إليه ليس دائمًا سهلاً، وتظل القراءة، رغم كل شيء، رغبة تبحث عن طريقها وسط واقع لا يمنحها دائمًا المساحة التي تستحقها.

شارك التدوينة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار

إعلان