القناة الأمازيغية…من وهج البدايات إلى سؤال التراجع: من المسؤول؟

منذ انطلاقتها سنة 2010، استطاعت القناة الأمازيغية أن تفرض لنفسها مكانة متميزة داخل المشهد الإعلامي الوطني، مستفيدة من زخم الاعتراف الدستوري باللغة الأمازيغية، ومن تعطش جمهور واسع لمحتوى يعكس هويته الثقافية واللغوية، وقد شكلت في بداياتها تجربة إعلامية واعدة، من خلال برامج إخبارية وحوارية جادة، إلى جانب إنتاجات وثائقية ومسلسلات رمضانية نالت استحسان المشاهدين، ورفعت سقف الانتظارات من هذه القناة العمومية.

غير أن هذه الدينامية الإيجابية سرعان ما بدأت تتراجع، خاصة خلال المرحلة الحالية، حيث يطرح المتتبعون أكثر من علامة استفهام حول غياب الإبداع، وشح الأفكار الجديدة، وتراجع جودة المضامين المقدمة، وهو تراجع يثير القلق، خصوصا وأن القناة تمول من المال العام، ما يجعلها ملزمة أكثر من غيرها بالاستجابة لتطلعات الجمهور، وتقديم خدمة إعلامية عمومية تليق بقيمة الأمازيغية ومكانتها.

في السنوات الأخيرة، برزت مجموعة من المؤشرات التي تعكس هذا التراجع، لعل أبرزها الانتقادات المتزايدة التي طالت بعض الأعمال الدرامية والبرامج، والتي وصفها متابعون، بل وحتى بعض المشاركين فيها، بأنها “ضعيفة المستوى” ولا ترقى إلى تطلعات المشاهد الأمازيغي، وهي شهادات لم تأت من فراغ، بل تعكس اختلالات بنيوية في طريقة تدبير الإنتاج وتصور البرمجة.

يرى عدد من المهتمين أن أحد أبرز أسباب هذا الوضع هو تهميش الكفاءات من كتاب وصحافيين ومبدعين، ممن يحملون مشروعا حقيقيا لتطوير المحتوى الأمازيغي. فبدل الاستثمار في الطاقات القادرة على التجديد والابتكار، يتم في كثير من الأحيان الاعتماد على أسماء محدودة، أو على مقاربات تقليدية لا تنتج سوى نفس الأنماط المستهلكة.

هذا التهميش لا ينعكس فقط على جودة البرامج، بل يضرب في العمق دينامية الإبداع داخل القناة، ويحولها إلى فضاء مغلق لا يسمح بتجديد الدماء ولا بتطوير الرؤية التحريرية، وهو ما يتناقض مع روح الخدمة العمومية التي يفترض أن تقوم على الانفتاح والتعدد، ومن بين المظاهر المثيرة للجدل أيضا، ما يمكن وصفه بـ”فلكلرة الأمازيغية”، حيث يتم اختزالها في بعدها الاحتفالي أو الفرجوي، عبر الإكثار من السهرات الفنية والبرامج ذات الطابع الترفيهي، على حساب البرامج الجادة ذات البعد الثقافي والفكري.

ففي الوقت الذي تعرف فيه البلاد تحولات اجتماعية وثقافية عميقة، تغيب التغطيات الرصينة والتحليلات المعمقة من شاشة القناة، ويتم تعويضها بمحتوى سطحي لا يعكس حقيقة التنوع والغنى الذي تزخر به الثقافة الأمازيغية. بل إن بعض هذه السهرات تعرف حضورا لافتا لفنانين ناطقين بالدارجة، في مقابل غياب أو تهميش لفنانين أمازيغ، وهو ما يطرح أكثر من سؤال حول احترام دفتر التحملات، وحول الهوية التحريرية للقناة.

إذا كانت بعض البرامج قد شكلت في وقت سابق نقاط قوة للقناة، فإن نسخها الحالية لم تعد بنفس الجودة، فبرامج وثائقية كانت تحترم المعايير التقنية والفنية، تحولت اليوم إلى مجرد “روبورتاجات مطولة” تفتقد للعمق والتحليل، وتغيب عنها الرؤية الإخراجية الواضحة، وهذا التراجع يعكس في جزء منه، غياب استراتيجية واضحة لتطوير المحتوى، والاكتفاء بإعادة إنتاج نفس الصيغ بشكل مكرر، دون مراعاة لتغير ذوق الجمهور أو تطور المعايير المهنية في المجال السمعي البصري.

وتعتمد القناة بشكل متزايد على الإنتاج الخارجي، خاصة خلال شهر رمضان، حيث يتم تفويت إنجاز عدد من الأعمال الدرامية والبرامج لشركات إنتاج خاصة. ورغم أن هذا الخيار قد يكون مبررا في بعض الحالات، إلا أن الإفراط فيه، دون مراقبة صارمة للجودة، يطرح إشكالات حقيقية، فغياب توازن بين الإنتاج الداخلي والخارجي، وعدم استثمار الإمكانيات الذاتية للقناة، يؤديان إلى فقدان التحكم في المنتوج النهائي، ويجعلان القناة رهينة لرؤية شركات الإنتاج، التي قد لا تتقاطع دائما مع رسالتها وهويتها.

وأمام هذه التحديات اصبحت القناة الأمازيغية مطالبة اليوم بإعادة تقييم تجربتها، وفتح نقاش حقيقي حول سبل استعادة بريقها، فالأمر لا يتعلق فقط بجودة البرامج، بل برهان ثقافي وهوياتي كبير، يرتبط بمكانة الأمازيغية داخل الإعلام العمومي.

إن إعادة الاعتبار للكفاءات وتنويع المضامين، واحترام دفتر التحملات، والاستثمار في الإنتاج الداخلي، كلها خطوات أساسية لإعادة الثقة بين القناة وجمهورها. فالقناة الأمازيغية ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل فضاء للتعبير عن هوية، ورافعة للنقاش العمومي، وأداة لترسيخ التعدد الثقافي الذي يميز المغرب، وبين وهج البدايات وتعثر الحاضر، يبقى السؤال مطروحا: هل تمتلك القناة الجرأة الكافية للقيام بمراجعة عميقة تعيدها إلى سكة الإبداع، أم أنها ستستمر في الدوران داخل نفس الحلقة المفرغة؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.