في زمن الكان، لا تلعب المباراة في الملعب وحده، بل في كل مكان. في المقاهي، الساحات، والبيوت. على شاشة التلفاز، الهاتف، المذياع، وعلى الحاسوب. كرة واحدة تتكاثر، وتقرر أن تزور الجميع في التوقيت نفسه. حتى من يصر على أنه لا يتابع الكرة، يجد نفسه يعرف التشكيلة قبل أن يعرف نشرة الطقس. يعرف “رأس لافوكا” قبل أن يعرف “مقدم” الدائرة الحضرية التي ينتمي اليها. الرجال والنساء والأطفال وحتى الشيوخ يتابعون المباريات. فبين الفينة والأخرى تسألك الجدة “خديج” عن الكيفية التي سجل بها الهدف ..
قبل صافرة البداية بدقائق، يتغير مزاج البلاد والعباد. الشوارع تفرغ على غير عادتها، الأسواق هي الأخرى تقل الحركة داخلها. وتتحول المقاهي إلى مدرجات شعبية، والبيوت تدخل حالة صمت مشدود ويحظر التجوال داخلها. حتى الساحات الكبرى جعلوها فضاء للمشاهدة لمن لا تستهويه المقاهي والبيوت. في حينها لا أحد يتحدث عن الأسعار التي تلهب الأسواق ولا عن سمك السردين وقفزته الصاروخية، ولا عن الفساد الذي لا يحتاج إلى تقنية “الفار” ليُرى بوضوح، وحتى أخبار السيول والأمطار تمر مرور الكرام. فقد حركت الكرة مشاعر كانت في وضعية صامتة، وأعادت الحياة إلى إحساس جماعي كدنا ننسى وجوده. فقد أنسانا الكان شيئا اسمه “رئيس الحكومة”.
مع انطلاق المباراة، يدخل المشجع المغربي في حالة نفسية معقدة. خليط من الوطنية، والتوتر، وسوء الظن بالحكم منذ الدقيقة الأولى. وأحكام مسبقة عن المدرب وبلادته، ومحل القجع من كل هذا. فجأة.. يتحول الجميع إلى خبراء: هذا يفهم في التكتيك، وذاك في اللياقة البدنية، وثالث في قراءة نوايا المدرب. وآخرون يفهمون في ضربات الجزاء ونفسية اللاعبين. المواطن الذي لم يشارك يوما في نقاش عمومي، يصبح حارسا شرسا لكرامة القميص الوطني، يصرخ، يحتج، ويسب البلاد والعباد، ويفاوض الحظ ويتمنى “انهزام الجيران” كي تحفظ كرامة الوطن. وكأنه طرف رسمي في اللقاء.
وفي المدرجات، لا تقتصر المتابعة على المستطيل الأخضر فقط. بعض العيون تلاحق الكرة، وأخرى تلاحق المدرب، وآخرون يلاحقون “ولي العهد” ومرافقيه داخل المدرج بعدسات الهواتف ونظرات الفضول والفخر معا، في مشهد تختلط فيه العفوية بالرمزية، وتؤكد فيه الكرة قدرتها على جمع الناس حول الهدف وحول الرمز في آن واحد.
في تلك الدقائق، نمارس “تمغرابيت” بأقصى درجاتها العاطفية. نقف احتراما للنشيد الوطني، الذي يدغدغ مشاعرنا المكبوتة، نختلف حول الاختيارات التقنية، ونتفق على حب الراية. لا فرق بين مدينة وقرية، ولا بين مسؤول ومواطن بسيط. الجميع في الصف نفسه، والجميع يراهن على القدم نفسها. وحتى الأسرة الملكية، بما تحمله من رمزية جامعة، تشارك هذا الشغف، لتؤكد أن كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل لغة وطنية مشتركة، حين تعجز الكلمات الأخرى عن الجمع.
“الكان” كشف لنا جانبا عميقا من الهوية المغربية. نحن شعب يحب الفرح الجماعي، يؤمن بالحلم حتى آخر دقيقة، ويجيد تحويل التوتر إلى احتفال. نحب الوطن بطريقتنا الخاصة: صاخبة، عاطفية، وأحيانا متناقضة. نغضب بسرعة، ونفرح أسرع، وننسى الخسارة كما ننسى الوعود، في انتظار المباراة المقبلة.
لكن الحقيقة المؤلمة تبدأ بعد 90 دقيقة. تنتهي مدة التخدير، فنغادر حالة المواطنة المؤقتة. فتعود الفوضى إلى الشارع، ويعود الغضب إلى النقاشات، وتعود اللامبالاة إلى الممتلكات العامة. ونتذكر بعدها السيول والوديان التي لا نملك لها حولا ولا قوة، وأسعار الخضر والأسماك المرتفعة. ومن سيترأس الحكومة المقبلة.
ومع ذلك، لا يمكن الاستهانة بهذه 90 دقيقة. فهي، رغم بساطتها، تثبت أننا قادرون على الالتزام، وعلى التنظيم، وعلى الإحساس الجماعي. تثبت أن المواطنة ليست فكرة مستوردة، بل شعور موجود، ينتظر فقط من يوقظه خارج المستطيل الأخضر.
“الكان” ليس مجرد بطولة، بل مرآة. نرى فيها أنفسنا كما نحن: شعبا يحب وطنه بصدق، لكنه يؤجل هذا الحب إلى موعد المباراة. وربما السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا ليس لماذا نحب المنتخب بهذا الجنون، بل لماذا لا نحب المغرب بنفس الحماس، بنفس الصبر، وبنفس الإصرار… بعد صافرة النهاية أيضا.