في قلب المشهد الصحراوي المفتوح على الأفق، حيث تمتزج قسوة الطبيعة بجمالية المكان، تنطلق فعاليات النسخة الثانية عشرة من “غارة الصحراوية 2026” وسط تنظيم دقيق واستعدادات محكمة، لا تقتصر فقط على الجانب الرياضي، بل تمتد إلى منظومة طبية تشتغل على مدار الساعة لضمان سلامة المشاركات.
منذ 7 فبراير وإلى غاية 14 منه، تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس، تحتضن الداخلة هذا الحدث الرياضي النسوي الذي يعرف مشاركة 100 متسابقة، في مسارات تمتد بين الخليج وكثبان الرمال، ضمن رؤية تجعل من الرياضة أداة لتحرير المرأة وتعزيز التضامن والحوار بين الثقافات.
غير أن خلف مشاهد التحدي والإصرار، يشتغل طاقم طبي محلي ودولي في صمت، بحالة تأهب دائم، تحسبًا لأي طارئ قد تفرضه طبيعة السباق أو تقلبات البيئة الصحراوية. فوفق معطيات قُدمت لوكالة المغرب العربي للأنباء، يتمركز طبيب بشكل دائم في مركز مراقبة السباق، على اتصال لاسلكي مستمر مع الفرق المنتشرة على طول المسار، فيما يغطي باقي أعضاء الطاقم مختلف النقاط الحساسة، ليلاً ونهارًا، حتى خلال فترات الراحة.
سونيا بوبوف، طبيبة طوارئ فرنسية ومسؤولة عن الطاقم الطبي، أوضحت أن درجات الحرارة قد تبدو معتدلة خلال هذه الفترة، غير أن الإشعاع الشمسي في الصحراء يفرض يقظة مضاعفة، خاصة لتفادي ضربات الشمس وحالات الجفاف. وأكدت أن طبيعة المنافسات، التي تشمل ركوب الدراجات الجبلية على الرمال، والجري في مسارات وعرة، والتجديف، تجعل المشاركات عرضة لالتواءات، التهابات مفصلية، حروق احتكاك وبثور قد تكون مؤلمة.
وفي هذا السياق، يعتمد الفريق الطبي على مقاربة استباقية، تبدأ بطلب تعبئة استمارات طبية مسبقة لتحديد الحالات المرضية المحتملة واتخاذ الحتياطات اللازمة. كما يتم فحص شهادات الأطباء المعالجين بدقة للتأكد من لياقة كل مشاركة قبل انطلاقها، في إطار مسطرة توصف بالصارمة لضمان انطلاق الجميع في ظروف آمنة.
من جانبه، يضع غيوم آرتشر، ممرض تخدير فرنسي متخصص في طب الطوارئ، خبرته الميدانية رهن إشارة الحدث، متدخلاً كمُسعف ومُطفئ مجهز للتعامل مع مختلف السيناريوهات. وأشار إلى أن أبرز المخاطر في مثل هذه التظاهرات تتمثل في الصدمات الناتجة عن السقوط، إضافة إلى الجفاف المرتبط بطبيعة المناخ الصحراوي.
ولا يقتصر الدور الطبي على التدخل بعد وقوع الحوادث، بل يبدأ منذ مرحلة تصميم المسارات، حيث يعمل الطاقم بتنسيق وثيق مع الجهة المنظمة لتقليص مناطق الخطر وضبط شروط السلامة. كما يظل المستوصف مفتوحًا يوميًا، مع تخصيص فترة في نهاية كل يوم للفحوصات، بينما يسهر أخصائيو العلاج الطبيعي على ضمان تعافي عضلات المشاركات استعدادًا للمراحل الموالية.
في بيئة صحراوية تتغير فيها الظروف بين جفاف النهار ورطوبة الليل، تظل المراقبة الصحية عنصرًا حاسمًا لتفادي العدوى والمضاعفات. لذلك، لا يُنظر إلى المنظومة الطبية في “غارة الصحراوية 2026” كخدمة مرافقة فحسب، بل كجزء أساسي من فلسفة الحدث، التي تقوم على الوقاية، والتنسيق، والتقارب الإنساني.
وهكذا، وبين الكثبان التي تختبر القدرة البدنية، وفريق طبي يسابق الزمن لتفادي المخاطر قبل وقوعها، ترسم الداخلة صورة لحدث رياضي يجمع بين التحدي والمسؤولية، ويجعل من السلامة ركيزة أساسية لنجاح تجربة تتجاوز حدود المنافسة نحو رسالة أوسع عنوانها الثقة في الذات وقوة الإرادة.