“دارت” بين التعاون والتساؤل الشرعي… ادخار اجتماعي أم معاملة تحتاج ضبطاً؟

في أحياء المدن كما في دواوير القرى، تجتمع نساء أحياناً، وأحياناً رجال، على اتفاق بسيط في ظاهره عميق في أثره: مساهمة شهرية متساوية، يحصل أحدهم في كل شهر على المبلغ الكامل، ثم يتناوب الدور إلى أن يستفيد الجميع. هكذا تستمر “دارت” أو ما يعرف “بالقرعة”، ذلك النظام التقليدي للتكافل والادخار الذي سبق البنوك ورافق الأجيال.

لكن خلف بساطة الفكرة، يبرز سؤال ظل يتكرر: هل “دارت” معاملة جائزة شرعاً باعتبارها شكلاً من أشكال التعاون؟ أم أنها تدخل في باب القرض الذي جرّ نفعاً، فتثير شبهة التحريم؟

كيف تُفهم “دارت” من الناحية الفقهية؟

من حيث الأصل، يقوم نظام “دارت” على اتفاق مجموعة من الأشخاص على دفع مبلغ محدد شهرياً، على أن يتسلمه أحدهم كاملاً وفق ترتيب متفق عليه، دون زيادة ولا نقصان. فلا توجد فوائد، ولا اشتراط منفعة مالية إضافية.

عدد كثير  من الفقهاء المعاصرين اعتبروا هذا النوع من المعاملات جائزاً، لأنه قائم على التعاون والتكافل، ولأنه لا يتضمن زيادة مشروطة على أصل المال، وبالتالي لا يتحقق فيه معنى الربا. ويستند هذا الاتجاه إلى قاعدة أن الأصل في المعاملات الإباحة ما لم يثبت نص بالتحريم.

في المقابل، يرى بعض العلماء أن المسألة تحتاج إلى ضبط دقيق، لأن كل مشارك يقرض غيره في شهر، ثم ينتفع بدوره حين يحين دوره، وهو ما قد يندرج — نظرياً — تحت قاعدة “كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا”، إن كان الانتفاع مشروطاً أو ترتب عليه ضرر أو عدم توازن.

غير أن الفرق الجوهري الذي يشير إليه المجيزون هو أن النفع هنا غير منفصل ولا زائد، بل متبادل ومتساوٍ بين الجميع، ولا يتضمن زيادة مالية، وإنما هو ترتيب زمني للاستفادة.

ومن بين الفقهاء الذين حرّموا هذا النوع من النظام العلامة المغربي ميلود السريري، حيث اعتبر أن “دارت” تندرج ضمن مسألة “كل سلف جرّ منفعة”، لأن فيها صورة “أسلفني أُسلفك”، وعلّل ذلك بأن المشاركين يقصدون الانتفاع بالحصول على المبلغ كاملاً في وقت معين، خاصة وأن كثيراً منهم لا يستطيع جمعه دفعة واحدة، مما يجعل المنفعة — في نظره — مقصودة ومشروطة ضمنياً.

وفي المقابل، أجاز هذا النوع من النظام ، الشيخ مصطفى بنحمزة، الذي اعتبرها أقرب إلى التعاون الاجتماعي المشروع، بل أفضل من اللجوء إلى القروض البنكية الربوية. كما صار على هذا الرأي الشيخ أبو يونس محمد الفرعي، الذي رأى أنها خالية من الربا لعدم وجود زيادة مشروطة، وأن كل مشارك يسترجع ماله دون زيادة أو نقصان. وكذلك الشيخ عبد الله النهاري الذي اعتبر “دارت” جائزة شرعاً، وعدّها شكلاً من أشكال التعاون على قضاء الحاجات دون الوقوع في القرض الربوي.

البعد الاجتماعي والاقتصادي

بعيداً عن الجدل الفقهي، لعبت “دارت” دوراً مهماً في تمكين الأسر ذات الدخل المحدود من تحقيق أهداف كبيرة بمبالغ صغيرة: شراء أثاث، أداء مصاريف دراسة، تغطية علاج، أو حتى إطلاق مشروع بسيط.

في مجتمعات يضعف فيها الولوج إلى القروض البنكية أو تُثقلها الفوائد، أصبحت “دارت” بديلاً شعبياً قائماً على الثقة. فهي ليست مجرد معاملة مالية، بل شبكة أمان اجتماعي، تقوم على الالتزام الأخلاقي قبل القانوني.

متى تتحول إلى إشكال؟

الإشكال لا يظهر في أصل الفكرة بقدر ما يظهر في طريقة التطبيق. فإذا دخل الغش، أو تأخر بعض الأعضاء عن الأداء، أو فُرضت زيادات مشروطة، أو تحولت العملية إلى تجارة يديرها طرف يستفيد دون مشاركة حقيقية، فإنها تخرج عن روح التعاون إلى دائرة الشبهة.

كما أن غياب التوثيق قد يفتح الباب للنزاعات، خصوصاً حين تكون المبالغ كبيرة.

بين التحليل والتحريم… أين يقف الميزان؟

يبقى أن “دارت” في صورتها البسيطة، الخالية من الزيادات والشروط المجحفة، أقرب إلى التعاون المشروع منها إلى المعاملة الربوية، بحسب ما ذهب إليه عدد من أهل العلم المعاصرين. لكن الاحتياط يقتضي الوضوح، والعدل في الترتيب، والالتزام الصارم بالأداء.

فهي في النهاية ليست مجرد “قرعة” شهرية، بل عقد ثقة جماعي، إن حُفظت شروطه كان عوناً، وإن اختلت تحول إلى عبء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.