دراسة تكشف: فوارق صامتة وغياب الدعم النفسي في تتبع الحمل

تحتل مرحلة الحمل مكانة محورية في حماية صحة الأم والجنين، غير أن واقع تتبع الحمل يظل، كما تُظهر الدراسة الميدانية التي أنجزتها فاطمة المرابط، مولدة درست في القطاع الخاص، في إطار بحث التخرج، خاضعًا لاختلالات مجالية واجتماعية واضحة. هذه الاختلالات لا تقتصر على الجانب الطبي، بل تمتد لتكشف فوارق في العدالة الصحية وتكافؤ الفرص بين النساء، ما يجعل تتبع الحمل قضية تتجاوز الرعاية البيولوجية لتشمل الأبعاد الاجتماعية والنفسية.

1. التتبع الطبي كامتياز اجتماعي

تشير نتائج الدراسة إلى أن 70 في المائة من النساء الحوامل يتابعن حملهن طيلة تسعة أشهر، وغالبيتهن ينتمين إلى الوسط الحضري وذات مستوى اجتماعي مقبول. هذا المعطى لا يعكس فقط وعيًا صحيًا أعلى، بل يؤكد أن التتبع الطبي المنتظم أصبح، في حالات كثيرة، مرتبطًا بالقدرة المادية وسهولة الولوج إلى الخدمات الصحية، خاصة في القطاع الخاص.

في المقابل، هناك 30 في المائة من النساء لا يتابعن حملهن، وتنتمي غالبية هذه الفئة إلى الوسط القروي، حيث تواجه ظروفا من الفقر والهشاشة، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى العيادات الطبية. وتوضح هذه النتائج أن غياب التتبع لا يُعزى إلى خيار شخصي، بل هو نتيجة تراكب معيقات اقتصادية وجغرافية واجتماعية تحد من قدرة النساء على الحصول على الرعاية الصحية المنتظمة.

وتُظهر نتائج الدراسة أن النساء العازبات يُشكّلن ضمن الفئات الأقل استفادة من تتبع الحمل، حيث غالبًا ما يُحرمن من الولوج المنتظم إلى الرعاية الصحية، لا بسبب عوامل طبية، بل نتيجة وضعيات اجتماعية واقتصادية هشّة. فغياب الدعم الأسري، والخوف من الوصم الاجتماعي، إلى جانب ضعف الإمكانيات المادية، كلها عوامل تجعل الحمل لدى النساء العازبات تجربة معزولة، تُعاش في الهامش، وتُبعدهن عن مؤسسات الرعاية الصحية.

2. اختلال في تصور استمرارية الرعاية

تكشف الدراسة أن التتبع الطبي يتركز أساسًا خلال الطور الأول من الحمل، حيث تسعى المرأة إلى تأكيد الحمل والاطمئنان على سلامة الجنين، ثم يعود الاهتمام بقوة خلال الطور الثالث تحسبًا للولادة. أما الطور الثاني، فيعرف تراجعًا ملحوظًا في الاستشارات، رغم كونه مرحلة حاسمة لرصد مضاعفات قد تمر دون أعراض ظاهرة.

يعكس هذا السلوك الصحي تصورًا مجتزأً لتتبع الحمل، حيث يُختزل الاهتمام في لحظات “القلق” أو “الاستعجال”، بدل اعتباره مسارا متواصلا للرعاية والوقاية طوال فترة الحمل. وغالبًا ما يتركز هذا النمط لدى النساء اللواتي يمتلكن وعيًا أقل بأهمية متابعة الحمل بشكل منتظم.

3. الثقة في الاختصاص مقابل تراجع دور القرب

تُظهر نتائج الدراسة أن غالبية النساء يفضلن تتبع حملهن لدى أخصائي النساء والتوليد، وهو خيار يعكس ثقة كبيرة في الطب التخصصي، لكنه يطرح في الآن ذاته إشكالية ضعف إدماج القابلات ومؤسسات القرب الصحي، خصوصا في المناطق القروية، حيث يفترض أن تلعب هذه الفئات دورا محوريا في تتبع الحمل الطبيعي.

هذا التوجه قد يؤدي إلى ضغط متزايد على الاختصاصيين، مقابل تهميش موارد صحية قادرة على لعب دور وقائي أساسي إذا تم تأهيلها وتثمينها.

4. الغائب الأكبر: الصحة النفسية للمرأة الحامل

من أهم خلاصات الدراسة أن غالبية النساء يشتكين من غياب التتبع النفسي داخل الاستشارة الطبية. فالمرأة الحامل، كما تُبرز الشهادات، تُعامل غالبًا كحالة بيولوجية تُقاس بالمؤشرات والتحاليل، دون الالتفات الكافي إلى التغيرات النفسية، والمخاوف، والقلق الذي قد يرافق الحمل.

وتكشف هذه النتيجة خللًا في نموذج الرعاية، حيث يتم الفصل بين الجسد والنفس، رغم أن الأبحاث تؤكد الترابط الوثيق بين الصحة النفسية للأم وسير الحمل وسلامة الجنين.

5. دلالات تتجاوز الأرقام

تحمل هذه الدراسة، المنجزة في إطار بحث التخرج، قيمة مضافة تتجاوز بعدها الأكاديمي، إذ تعكس واقعًا ميدانيا ملموسا، وتطرح أسئلة جوهرية حول:

  • مدى عدالة توزيع خدمات صحة الأم

  • نجاعة سياسات تقريب الخدمات الصحية

  • ضرورة إدماج البعد النفسي ضمن التتبع الروتيني للحمل

خلاصة تحليلية

تؤكد الدراسة أن تحسين تتبع الحمل لا يقتصر فقط على زيادة عدد الاستشارات الطبية، بل يتطلب إعادة التفكير في فلسفة الرعاية الصحية من خلال مقاربة شمولية تدمج بين الجانب الطبي والنفسي. وأن تحديات تتبع الحمل لا تنحصر في توفر الخدمات أو البنية الصحية، بل تمتد أيضًا إلى تمثلات اجتماعية وضغوط ثقافية تُقصي بعض النساء، خصوصًا الفئات الهشة والعازبات، مما يمنعهن من ممارسة حقهن الأساسي في الصحة والرعاية. وبذلك، يصبح من الضروري اعتماد استراتيجية شمولية وإنسانية تضمن لكل امرأة تتبعًا صحيًا آمنًا يحفظ كرامتها وسلامتها، مع مراعاة احتياجاتها النفسية والاجتماعية على حد سواء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.