دعوة علمية لحماية وثائق “أراتن” بالأطلس الصغير من الضياع والنهب

دعت الباحثة الروسية إفغينيا فورسوفا، المتخصصة في تاريخ منطقة المغرب الكبير، إلى ضرورة تثمين ورقمنة الوثائق العدلية المعروفة باسم “أراتن” باللغة الأمازيغية، والتي تحتفظ بها المخازن الجماعية “إيكودار” بالأطلس الصغير، محذّرة من خطر اندثار هذا التراث بسبب تدهور هذه المنشآت.

وأوضحت الباحثة، خلال محاضرة ألقتها أمس الاثنين بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث تحت عنوان “اكتشاف الوثائق العدلية (أراتن) بالأطلس الصغير (سوس): الأهمية التاريخية والدلالات السوسيو-ثقافية”، أن هذه المخازن التي ساهمت في حفظ الوثائق لقرون، أصبحت اليوم في وضعية هشّة، ما يهدد بضياع جزء مهم من الذاكرة التاريخية، خاصة وأن العديد من هذه الوثائق لا يزال مدفونًا تحت الأنقاض.

وأكدت فورسوفا أن الخطر لا يقتصر على التلف المادي، بل يمتد أيضًا إلى احتمال نهب هذه المخازن المهجورة وبيع محتوياتها للسياح، ما قد يؤدي إلى فقدان وثائق فريدة تحمل قيمة تاريخية وثقافية كبيرة.

وشددت المتحدثة على أهمية اتخاذ إجراءات عاجلة لجمع هذه الوثائق وحفظها ورقمنتها، مع إخضاعها لدراسات علمية متخصصة، مبرزة أنها لا تمثل مجرد أرشيفات متناثرة، بل تعكس تاريخًا حيًا لمنطقة بكاملها.

وأشارت إلى أن هذه الوثائق تكشف عن وجود تقليد توثيقي متجذر في الأطلس الصغير منذ القرن السادس عشر، ومندمج في الممارسات القانونية المحلية، داعية إلى الاعتراف بـ”أراتن” كتراث عالمي لضمان حمايته وصون قيمته الرمزية المرتبطة بالثقافة الأمازيغية.

وفي سياق متصل، أوضحت الباحثة أن تطور الثقافة الكتابية في منطقة سوس ارتبط بعدة عوامل، من بينها الحركية السكانية والهيمنة الثقافية للأمازيغ، إلى جانب تأثيرات الاندماج في الفضاء الإسلامي، ما أدى إلى ظهور تقاليد كتابية باللغة المحلية باستخدام الحرف العربي.

كما استعرضت مراحل تطور هذا التقليد، مشيرة إلى أن جذوره تعود إلى فترات مبكرة من تاريخ المنطقة، قبل أن يتعزز خلال عهدي إمارة برغواطة والدولة الموحدية، حيث اكتسبت اللغة الأمازيغية حضورًا في المجالين الديني والإداري، ما ساهم في ترسيخ قواعد الكتابة.

ولفتت فورسوفا إلى الدور المحوري الذي لعبته الزوايا الصوفية في نشر التعليم وتطوير الممارسات الكتابية بجنوب المغرب، مؤكدة أن الوثائق المكتشفة تعكس استخدامًا عمليًا للكتابة في تنظيم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية وفق الأعراف المحلية.

وختمت الباحثة بالتأكيد على أن بقاء هذه الوثائق إلى اليوم يعود بالأساس إلى دور “إيكودار” في حفظها، رغم أنها ظلت لسنوات طويلة خارج دائرة الاهتمام العلمي، إلى أن بدأت الأبحاث الحديثة تكشف عن أهميتها وقيمتها التاريخية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.