مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، دخلت عدد من الأحزاب السياسية مرحلة حاسمة عنوانها الأبرز، صراع داخلي محتدم حول التزكيات، في مشهد يعيد طرح أسئلة جوهرية حول مصداقية الخطاب الحزبي وحدود الالتزام بالشعارات المرفوعة طيلة الولاية.
فبعد سنوات من الترويج لدور الشباب داخل الفعل السياسي، والدعوة إلى إشراكه في صناعة القرار من داخل المؤسسات، يبدو أن الواقع الحزبي يسير في اتجاه معاكس، حيث تحول منطق التزكية إلى عملية حسابية صرفة، قوامها القدرة على جلب الأصوات، بغض النظر عن الكفاءة أو المسار النضالي أو حتى الانتماء الفعلي للتنظيم.
هذا التحول كشف، مرة أخرى، الهوة العميقة بين الخطاب والممارسة، أحزاب طالما صدعت رؤوس المغاربة بأهمية تجديد النخب وفتح المجال أمام الطاقات الشابة، عادت اليوم لتكرس نفس الوجوه التي أرهقها الزمن السياسي، في إعادة إنتاج صريحة لنخب فقدت الكثير من بريقها، لكنها ما تزال تتحكم في مفاصل القرار الحزبي.
ولعل الأخطر في هذا السياق، هو اعتماد ما يمكن وصفه بـ”الشعبوية الانتخابية” في منح التزكيات، حيث أصبح المعيار الأول هو “من يضمن المقعد”، لا “من يستحق التمثيل”، وهو ما يفرغ العملية السياسية من مضمونها، ويحول الأحزاب إلى مجرد آليات انتخابية تشتغل بمنطق الربح والخسارة، بدل كونها مؤسسات للتأطير والتكوين وصناعة النخب.
في المقابل، يجد الشباب نفسه مرة أخرى خارج دائرة القرار، بعد أن تم استغلاله كوقود خطابي في مراحل سابقة، قبل أن يتم إقصاؤه عمليا عند لحظة الحسم، هذا التناقض لا يمكن إلا أن يعمق منسوب العزوف السياسي، ويغذي القناعة بأن التغيير من داخل المؤسسات يظل رهينا بإرادة حزبية غائبة أو مغيّبة.
وتزداد الصورة قتامة مع تسجيل محاولات داخل بعض الأحزاب لفرض أسماء بعينها في عدد من الدوائر، بل وحتى ترشيح وجوه لا تمت بصلة للمجالات الترابية التي ستخوض فيها غمار الانتخابات، في تجاهل واضح للمناضلين المحليين ولمنطق القرب والتمثيلية الحقيقية.
كما لم تسلم اللوائح الجهوية للنساء من هذا المنطق، حيث تحولت في بعض الحالات إلى مجال لتصفية الحسابات الداخلية أو إعادة تدوير أسماء بعينها، بدل أن تكون آلية لتمكين النساء من ولوج فعلي وعادل للمؤسسات المنتخبة.
أمام هذا الواقع، تبدو الأحزاب السياسية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بمراجعة عميقة لآلياتها الداخلية، إذا ما أرادت استعادة جزء من ثقة الشارع، فاستمرار هذا العبث في تدبير التزكيات لن يؤدي سوى إلى مزيد من فقدان المصداقية، وتكريس القطيعة بين المواطن والعمل السياسي.