كشفت دراسة علمية جديدة أن الضغوط النفسية في مراحل الحياة المبكرة قد تؤثر في صحة الجهاز الهضمي لسنوات لاحقة، نتيجة تغيّرات في العلاقة المعقدة بين الدماغ والأمعاء.
وأوضحت الدراسة التي نُشرت في مجلة Gastroenterology أن التعرض للتوتر أو الإهمال العاطفي في الطفولة قد يغير طريقة تواصل الجهاز العصبي مع الأمعاء، ما يزيد احتمال الإصابة بمشكلات هضمية مثل متلازمة القولون العصبي وآلام البطن واضطرابات حركة الأمعاء.
وبحسب تقرير في موقع “MedicalXpress” العلمي، يشير العلماء إلى أن الدماغ والجهاز الهضمي مرتبطان بشبكة اتصال مستمرة تُعرف بمحور الدماغ–الأمعاء، حيث يتبادلان الإشارات العصبية والكيميائية على مدار الساعة.
وعندما يتعرض الطفل لضغوط شديدة في مراحل النمو المبكرة، قد تتأثر هذه الشبكة الحساسة، ما يؤدي لاحقاً إلى اضطرابات في حركة الأمعاء أو الإحساس بالألم في الجهاز الهضمي أو اختلال التوازن العصبي داخل الجهاز الهضمي.
واعتمد الباحثون على نماذج تجريبية في الفئران لمحاكاة الضغوط المبكرة، حيث جرى فصل صغار الفئران عن أمهاتها لساعات يومياً في مرحلة مبكرة من الحياة. وعند فحصها بعد عدة أشهر، ظهرت عليها مجموعة من التغيرات، منها سلوكيات تشبه القلق، وزيادة حساسية الألم في الأمعاء، واضطرابات في حركة الجهاز الهضمي.
كما لاحظ الباحثون اختلافات بين الجنسين؛ إذ عانت الإناث غالباً من الإسهال، بينما ظهرت لدى الذكور أعراض الإمساك.
وكشفت الدراسة أيضاً أن الأعراض الهضمية قد تنشأ عبر مسارات بيولوجية مختلفة داخل الجسم. فقد تبين أن تعطيل الإشارات العصبية الودية إلى الأمعاء خفف اضطرابات الحركة، والهرمونات الجنسية لعبت دوراً في الإحساس بالألم، بينما مسارات السيروتونين أثرت في كل من الألم وحركة الأمعاء.. وهذا يشير إلى أن علاج اضطرابات الجهاز الهضمي المرتبطة بالتوتر قد يحتاج إلى استراتيجيات علاجية متعددة تبعاً للأعراض المختلفة.
أدلة من دراسات بشرية
ودعمت دراستان بشريتان كبيرتان نتائج التجارب الحيوانية. ففي دراسة دنماركية تابعت أكثر من 40 ألف طفل حتى سن 15 عاماً، وجد الباحثون أن الأطفال الذين عانت أمهاتهم من اكتئاب غير معالج أثناء الحمل أو بعد الولادة كانوا أكثر عرضة للإصابة بمشكلات هضمية، مثل الغثيان والقيء، والمغص عند الرضع، والإمساك الوظيفي، ومتلازمة القولون العصبي.
وفي دراسة أخرى شملت نحو 12 ألف طفل في الولايات المتحدة، تبين أن التعرض لتجارب طفولة صعبة مثل الإهمال أو العنف أو مشكلات الصحة النفسية لدى الوالدين ارتبط بزيادة أعراض الجهاز الهضمي في سن التاسعة والعاشرة.
وتشير هذه النتائج إلى أن فهم المشكلات الهضمية قد يتطلب النظر إلى تاريخ حياة المريض منذ الطفولة، وليس فقط إلى الضغوط الحالية.
ويرى الباحثون أن معرفة تجارب الطفولة المبكرة قد تساعد الأطباء على فهم أسباب اضطرابات الجهاز الهضمي وتحديد المسارات البيولوجية المسؤولة عن الأعراض، وكذلك تطوير علاجات أكثر دقة وفعالية.
وتسلط الدراسة الضوء على أهمية الصحة النفسية والدعم العاطفي في السنوات الأولى من الحياة، ليس فقط لحماية الصحة النفسية، بل أيضاً للحفاظ على صحة الجهاز الهضمي على المدى الطويل.