طهران تحت ضغط العقار: أسعار تحلق وسوق يزداد اختناقاً

في طهران، لم يعد الحديث عن السكن يحتاج إلى تقارير اقتصادية أو أرقام رسمية معقدة؛ فواجهات مكاتب العقار باتت تكشف وحدها حجم الأزمة. أسعار ترتفع بوتيرة سريعة، وإيجارات تتبدل من أسبوع لآخر، وسوق عقاري يرزح تحت ضغط الركود والتضخم في آن واحد، في مشهد يجعل امتلاك أو استئجار شقة أقرب إلى معركة يومية منه إلى قرار عادي في حياة المواطنين.

لم يعد ارتفاع الإيجارات وأسعار العقارات في إيران بحاجة إلى تقارير اقتصادية معقدة لفهمه؛ فالإعلانات المعلقة على واجهات مكاتب العقار في شوارع طهران تختصر المشهد بوضوح صادم. أسعار تتصاعد بلا سقف، وسوق يبدو وكأنه فقد توازنه، وحلم امتلاك السكن يتحول تدريجياً إلى رفاه بعيد المنال.

فمنذ دخول الهدنة حيز التنفيذ عقب حرب استمرت 39 يوماً بين التحالف الأمريكي الإسرائيلي من جهة وإيران من جهة أخرى، دخل سوق العقارات في طهران مرحلة من التناقض الحاد. فرغم استمرار حالة الركود التي تسيطر على السوق منذ أكثر من عام، فإن الأسعار – سواء في البيع أو الإيجار – واصلت ارتفاعها بشكل لافت، مدفوعة بتداعيات الحرب وما خلفته من أضرار طالت قطاعات إنتاجية وبنى تحتية، خصوصاً في مجالات الصلب والبتروكيمياويات.

وخلال جولة ميدانية قام بها موقع ” الجزيرة نت” لعدد من أحياء العاصمة، يؤكد مواطنون أن أسعار المتر المربع قفزت بشكل كبير خلال الأشهر الأخيرة، الارتفاع الذي تجاوز 60% مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب الأخيرة، ما جعل العثور على سكن مناسب مهمة شبه مستحيلة لفئات واسعة من السكان.

وفي ظل هذا الواقع، لا يبدو أن أزمة الشراء أقل تعقيداً من الإيجار، إذ يخشى كثير من المستأجرين من موجة ارتفاع جديدة مع اقتراب موسم الصيف، الذي يشهد عادة ذروة في الطلب على السكن، ما يدفعهم إلى البحث المبكر عن عقود قبل اشتداد المنافسة وارتفاع الأسعار.

وتتفاقم الأزمة أكثر مع تداعيات الحرب الأخيرة التي تسببت، وفق شهادات محلية، في تضرر عدد كبير من الوحدات السكنية، ما ضاعف الضغط على السوق وعمّق أزمة العرض، ليجد كثير من المواطنين أنفسهم أمام خيارين صعبين: إما القبول بزيادات متواصلة في الإيجار أو الانتقال إلى ضواحي بعيدة عن مركز العاصمة.

وعلى مستوى السياسات، يشير مسؤولون إلى أن ما يجري لا يرتبط فقط بتداعيات الحرب، بل يعكس أيضاً اختلالات هيكلية في السوق وغياباً لرقابة فعالة، وهو ما يسمح – بحسب بعض التقديرات – بتمرير زيادات سعرية لا تعكس الواقع الفعلي للتكلفة.

وفي جانب آخر من الأزمة، تظهر ورش البناء كمؤشر إضافي على عمق الاضطراب. فبين مشاريع متوقفة بالكامل وأخرى تعمل بوتيرة بطيئة، تبرز مشكلة ارتفاع تكاليف اليد العاملة كأحد أبرز العوامل الضاغطة على القطاع.

ويشير مهندس يشرف على أحد المشاريع في غرب طهران إلى أن القرار المتعلق بتقليص العمالة الأجنبية انعكس بشكل مباشر على سوق العمل، حيث فقد القطاع جزءاً كبيراً من العمالة الماهرة التي كانت تشكل العمود الفقري لورش البناء، ما أدى إلى ارتفاع كبير في الأجور وتراجع في وتيرة الإنجاز.

ويؤكد أن كلفة العمالة لم تعد المشكلة الوحيدة، بل إن النقص في اليد العاملة أصبح تحدياً لا يقل خطورة، إذ لم يعد من السهل إيجاد عمال مستعدين للعمل في ظروف البناء الشاقة، حتى مع رفع الأجور.

ويختتم حديثه بالتأكيد على أن سوق العقارات في إيران يعيش أزمة مركبة، تتداخل فيها عوامل اقتصادية ومعيشية وبنيوية، من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية إلى اضطراب سوق العمل، ما يجعل قطاع السكن أمام مرحلة غموض مفتوحة على مزيد من التوتر في المستقبل القريب.

شارك التدوينة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار

إعلان