غلة تُنبت ثروة.. مسار الزيتون من عشوائية العصا إلى دقة العلم

في ربوع جماعة “أم البخت” بإقليم بني ملال، حيث تتجذر أشجار الزيتون في عمق التاريخ وتعانق تطلعات الحاضر، يقف الفلاح باري قلوش، رفقة ثلة من مزارعي المنطقة، يتأملون باعتزاز حقولهم التي ناءت أغصانها حتى كادت تلامس الثرى من فرط حبات الزيتون المكتنزة. هم اليوم يقطفون ثمار موسم استثنائي، بعدما خفتت في أرجاء المكان أصوات ضربات العصي الخشبية التي كانت تنهال بقسوة على الشجرة، ليحل محلها هدوء العلم ودقة الإنجاز.

طيلة عقود خلت، لم تكن مواسم الجني والحرث سوى امتداد لممارسات تقليدية أنهكت الشجرة وأوقعت الفلاح في شباك “ظاهرة التناوب”؛ حيث تجود الأرض في عام وتعز في الذي يليه. “لقد ألفنا النفض بالعصا والتسميد العشوائي، معتقدين بسذاجة أننا نخدم الشجرة بينما نحن نكبدها أضراراً فادحة”، هكذا يصف باري قلوش ماضيا زراعيا كان يعتمد على التخمين وارتجال القرارات. غير أن بوصلة العمل تغيرت جذريا منذ انخراط مزارعي المنطقة في منصات برنامج “المثمر”، التابع لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، والذي شكل منعطفاً حاسماً في مسار تحديث الفلاحة التضامنية بالجهة.

من قلب هذه الحقول، التي تحولت إلى مختبرات حية، انطلقت رحلة التحول العميق. لم تعد العلاقة مع الأرض ضربا من الحظ، بل أضحت علما دقيقا يرتكز على تشخيص مخبري لتربة كل ضيعة. وبناء على تحاليل دقيقة، بات المهندسون الزراعيون يصفون “مسارات تقنية” تحدد نوع وكمية وتركيبة السماد التي تحتاجها الشجرة في العمق، مواكبين ذلك بتأطير مستمر يشمل السقي المنتظم، التقليم العقلاني، والمعالجة الوقائية. وقد مكنت “المدارس الحقلية” الفلاحين من استيعاب هذه الممارسات السليمة، محولة إياهم من مجرد ورثة لأرض أجدادهم إلى مدبرين حقيقيين لمقاولات زراعية.

ولأن لغة الأرقام أبلغ وأصدق، فقد اعتمد البرنامج فلسفة “المعاينة أساس الإقناع”. وبحسب المنسق الجهوي لبرنامج “المثمر” بجهة بني ملال-خنيفرة، السيد أيمن أشمرق، فإن الفارق في المردودية بات صارخا بين من يهتدي بنور العلم ومن يرتهن لعشوائية التخمين. فقد حققت المنصة التطبيقية بأم البخت غلة مبهرة بلغت 14 طنا في الهكتار الواحد، متجاوزة بأشواط ما سجلته الضيعة “الشاهدة” المجاورة التي لم تتعد 8 أطنان باعتمادها السبل التقليدية. وهو نجاح ينسحب على عموم الإقليم الذي سجلت منصاته التطبيقية زيادة إجمالية في المردودية تتراوح بين 30 و40 في المائة، بمتوسط إنتاج يبلغ 11 طنا مقابل 7 أطنان في الضيعات الكلاسيكية.

غير أن رحلة الجودة، التي بدأت بتشخيص التربة في الحقل، لا تكتمل وتؤتي أُكُلها الاقتصادي إلا بصرامة المعالجة في المعصرة. ففي إحدى الوحدات العصرية بإقليم الفقيه بن صالح، يؤكد الخبير والمسير أحمد الناهي، أن الرهان التنافسي اليوم لم يعد يقتصر على حجم المحصول، بل يتعداه إلى التميز المطلق في الجودة. ويوضح الناهي بلغة العارفين أن “السر يكمن في سرعة العصر؛ إذ يجب تفادي التخزين المطول للثمار في الأكياس البلاستيكية لتجنب التخمر وارتفاع نسبة الحموضة”. كما يشدد على الأهمية البالغة لعمليتي الغسل وإزالة الشوائب قبل الطحن، وهي خطوات أضحت معياراً إلزامياً في الوحدات الحديثة لضمان منتج صحي قادر على غزو الأسواق الوطنية والدولية.

هذا التناغم الدقيق بين جودة الإنتاج الفلاحي وحداثة الاستخلاص الصناعي، أثمر انتعاشة اقتصادية جهوية غير مسبوقة بددت غيوم سنوات الجفاف. وفي هذا الصدد، توقعت معطيات المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي لتادلة (ORMVAT) طفرة استثنائية؛ حيث يُرتقب أن يقفز الإنتاج الإجمالي للجهة إلى حوالي 97 ألفا و700 طن، مسجلا ارتفاعاً قياسياً بلغ 221 في المائة مقارنة بالموسم الماضي. وهي قفزة لم تقتصر على إنعاش جيوب الفلاحين وإعادة الأسعار إلى مستوياتها المعقولة فحسب، بل حركت عجلة التشغيل المحلي بشكل لافت، موفرة ما يناهز 2.5 مليون يوم عمل، تستأثر النساء القرويات بنسبة 20 في المائة منها، مما يجعل من سلسلة الزيتون صمام أمان اجتماعي واقتصادي لآلاف الأسر.

ولئن كانت قساوة الإجهاد المائي وتوالي سنوات الجفاف تفرض تحديات جمة، فإن شجرة الزيتون، بطبيعتها الصبورة والمباركة، أثبتت قدرتها على العطاء متى ما توفر لها التدبير الحكيم. وهنا، لم يقتصر دور التوجيه الميداني على الجانب التقني، بل سلح المزارعين بحلول تكنولوجية ورقمية مبتكرة، حولت هواتفهم المحمولة إلى مستشار متاح على مدار الساعة، مما مكنهم من ترشيد استعمال الموارد المائية واقتناء الأسمدة بذكاء ودقة.

إن هذه “الثورة الصامتة” التي تشهدها حقول أم البخت، تعكس تحولا تاريخيا في البنيات الذهنية للمزارعين. لقد ترسخت قناعة تامة لدى الفلاح اليوم بأن الفلاحة المستدامة والمرنة هي طوق النجاة الأوحد لمواجهة التغيرات المناخية الشرسة. وفي خضم هذا المسار المتألق، تواصل منصات التأطير أداء رسالتها كواحات أمل حقيقية، تقدم الدليل الملموس على أن شجرة الزيتون قادرة دوماً على مكافأة زارعها، شريطة أن ينصت لنبضها، ويخاطب جذورها بلغة العلم والمعرفة، ليرسم بذلك معالم مستقبل زراعي واعد تعم خيراته الجميع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.