فاتح ماي.. طقوس بلا أثر

مع اقتراب فاتح ماي، تعود نفس المشاهد إلى الواجهة، اجتماعات نقابية متفرقة، بيانات حادة في لغتها، ومطالب مكررة في مضمونها، حركية تبدو، في ظاهرها، تعبيرا عن نبض اجتماعي حي، لكنها في العمق تحولت إلى طقس سنوي فاقد للأثر، يستدعى كلما حل عيد الشغل، ثم يطوى دون أن يترك أثرا ملموسا في واقع العمال والموظفين.

المفارقة الصارخة أن سقف الانتظارات ظل ثابتا، بينما تتدهور القدرة الشرائية بشكل متسارع، الغلاء يواصل زحفه بلا هوادة، يلتهم الأجور ويفرغ أي زيادات محتملة من معناها، في وقت يروج فيه لخطاب “المكتسبات غير المسبوقة” وكأن المواطن يعيش في واقع مواز لا يعرفه، هنا، يتعمق الشرخ بين الخطاب الرسمي والحقيقة اليومية التي يواجهها العامل البسيط والموظف العمومي على حد سواء.

في هذا السياق، يصبح من المشروع مساءلة الأدوار، ماذا تبقى من وظيفة النقابات إذا تحولت مطالبها إلى مجرد بيانات موسمية؟ وأي معنى لعيد الشغل إذا كان لا ينتج تحولا حقيقيا في شروط العمل والعيش؟ بل أكثر من ذلك، كيف يمكن لحكومة تصف نفسها بـ”الاجتماعية” أن تستمر في تسويق إنجازات يُكذبها واقع الأسواق وفواتير الأسر؟

فاتح ماي، الذي كان يفترض أن يكون لحظة نضالية بامتياز، تحول تدريجيا إلى يوم عطلة بلا رهانات، يوم يمر بهدوء، بينما تستمر معاناة فئات واسعة من العمال، خاصة أولئك الذين يشتغلون خارج أي حماية اجتماعية، دون تغطية صحية، ودون ضمانات تحفظ كرامتهم. هؤلاء لا تعنيهم الشعارات بقدر ما تعنيهم شروط العمل القاسية التي تستنزف صحتهم قبل أن تملأ جيوبهم، إن امتلأت أصلا.

الأزمة لم تعد فقط في ضعف الاستجابة للمطالب، بل في تآكل الثقة نفسها، ثقة في الفعل النقابي، وثقة في الوعود الحكومية، وثقة في جدوى التظاهر كأداة للتغيير، ومع هذا التآكل، يتحول فاتح ماي إلى مناسبة رمزية تستحضر فيها اللغة الخشبية أكثر مما تستحضر الإرادة الحقيقية للإصلاح.

والمشكل لم يعد في تكرار المطالب، بل في غياب إرادة حقيقية لتحويلها إلى سياسات عمومية ملموسة، بين خطاب يعد وواقع يكذب، يبقى العامل المغربي عالقا في دائرة الانتظار، يترقب تغييرا قد لا يأتي، بينما تتراكم الأعباء يوما بعد آخر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.