شهد لبنان تصعيدًا داميًا جديدًا بعد غارات إسرائيلية مكثفة خلّفت مئات الضحايا في وقت قياسي، حيث أعلن الدفاع المدني اللبناني، الأربعاء، ارتفاع الحصيلة إلى 254 قتيلًا و1165 جريحًا، في حين تحدثت وزارة الصحة عن 182 ضحية و890 مصابًا في حصيلة أولية لما وصفته بـ”مجزرة” غير مسبوقة.
وجاءت هذه الضربات خلال دقائق معدودة، ما ضاعف من حجم الخسائر البشرية، وأعاد مشاهد العنف إلى الواجهة، وسط حالة استنفار داخلي ومخاوف من اتساع رقعة المواجهة.
في هذا السياق، أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام الحداد الوطني يوم الخميس، فيما تكثفت التحركات الدبلوماسية في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
وفي تحرك لافت، أبلغ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المسؤولين اللبنانيين بدخوله على خط الوساطة، مؤكدًا أن الضربات الإسرائيلية تمثل تهديدًا مباشرًا لاستمرار التهدئة، ومشدّدًا على ضرورة أن يشمل أي اتفاق لوقف إطلاق النار الأراضي اللبنانية دون استثناء.
غير أن الموقف الأمريكي أثار جدلًا واسعًا، بعد تأكيد واشنطن أن لبنان لا يندرج ضمن اتفاق وقف إطلاق النار المبرم مع إيران، وهو ما شدد عليه البيت الأبيض ونائب الرئيس الأمريكي، معتبرين أن الاتفاق يقتصر على طهران وحلفائها دون الساحة اللبنانية.
هذا الطرح فتح الباب أمام احتمالات التصعيد، خاصة مع تلويح مسؤولين أمريكيين بإمكانية اتخاذ خطوات إضافية في حال تعثر المسار الدبلوماسي، ودعوة إيران إلى “التحرك” في اتجاه الحل.
وفي هذا السياق، كشفت تسريبات نقلها موقع “أكسيوس” أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثار الملف اللبناني خلال اتصال مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبيل إعلان الهدنة، حيث جرى التوافق على إمكانية مواصلة العمليات العسكرية في لبنان، ما يعكس تعقيد المشهد الإقليمي وتداخل مسارات التهدئة والتصعيد.
من جانبها، رفضت طهران هذه المقاربة بشكل قاطع، معتبرة أن استثناء لبنان من اتفاق وقف إطلاق النار يمثل “تنصلًا أمريكيًا” من التزامات التهدئة. وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن شروط وقف إطلاق النار واضحة، داعيًا واشنطن إلى الاختيار بين دعم التهدئة أو الاستمرار في التصعيد عبر إسرائيل.
التطورات الميدانية سرعان ما انعكست على الأرض، حيث عادت إيران لتشديد إجراءاتها في مضيق هرمز، وأوقفت مجددًا مرور ناقلات النفط بعد ساعات من السماح لها بالعبور، مبررة القرار باستمرار الضربات الإسرائيلية على لبنان. كما لوّحت بالانسحاب من الاتفاق في حال تواصلت الهجمات.
وفي مؤشر على احتمال توسع المواجهة، أفادت مصادر إيرانية بأن القوات المسلحة تعمل على تحديد أهداف للرد، معتبرة أن الرد العسكري هو الخيار الوحيد لردع إسرائيل.
وتعكس هذه التطورات تصاعدًا في التوتر الإقليمي، حيث ترى طهران أن واشنطن إما عاجزة عن كبح تل أبيب أو منحتها ضوءًا أخضر لمواصلة العمليات، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد ويضع المنطقة على حافة مواجهة مفتوحة.
في المقابل، ربط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استمرار وقف الضربات على إيران بإعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل وفوري، ملوّحًا بتصعيد واسع في حال عدم الالتزام، ما يعكس حجم التداخل بين الملفات العسكرية والاقتصادية في هذه الأزمة المتصاعدة.