في كل مرة يثار فيها الحديث عن الفساد، تتجه الأنظار تلقائيا إلى السياسيين والمنتخبين والمسؤولين الكبار، تشهر الأصابع في وجوههم، وتلقى عليهم تهم سوء التدبير ونهب المال العام، وكأن الفساد وجد فقط في مكاتبهم وبين دفاتر حساباتهم، لكن الحقيقة، أكثر مرارة من هذا التبسيط المريح، الفساد ليس شخصا ولا مؤسسة، بل هو ثقافة تسكننا جميعا بنسب متفاوتة، وسلوك يومي قبل أن يكون سياسة ممنهجة.
الفساد يبدأ حين نقبل بالباطل، ونسكت عن الخطأ، ونغض الطرف عن الحيف، لأنه لا يمسنا مباشرة، يبدأ حين نصمت عن موظف يزور وثيقة مقابل خدمة، أو مسؤول يمنح صفقة لصديقه، أو صحافي يبيع قلمه بثمن بخس ليجمل وجوها شاحبة، الفساد بهذا المعنى، ليس مجرد جريمة مالية أو إدارية، بل حالة أخلاقية جماعية تترسخ في سلوك المجتمع قبل أن تظهر في دفاتر المحاسبة.
في المغرب، ورغم كل الخطابات الرسمية عن محاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة، ما يزال هذا الداء مستشريا، لأنه ببساطة تغير شكله ولم تتغير جذوره، لم نعالج العقلية التي تبرره ولا الوعي الذي يسوغه، الكل يتحدث عن محاربة الفساد، لكن قلة فقط من تحاسب نفسها أولا، كيف نحارب الفساد الكبير ونحن نمارس الصغير منه يوميا؟ كيف نلعن من ينهب الملايير ونحن نبرر لأنفسنا الرشوة في الإدارات ونعتبرها “تسريعا للمصلحة”؟
الفساد لا يتجلى فقط في الصفقات الكبرى والعقود الرسمية، بل يعيش في تفاصيل صغيرة لا يلتفت إليها الإعلام ولا تثير الضجيج، هناك فساد قروي، ينخر جماعات صغيرة، ينهب فيها البعض ميزانية “بون دكموند أو مشاريع رمزية تسجل على الورق فقط، فساد يتم تحت غطاء جمعيات تأسست بين ليلة وضحاها، بأسماء براقة ووجوه قريبة من دوائر القرار، لتلتهم الدعم العمومي باسم “العمل الجمعوي”
والأدهى من ذلك، أن بعض من يرفعون شعارات “محاربة الفساد” هم أنفسهم جزء من منظومته، ترى أحدهم يهاجم المنتخبين في الصباح، ثم يمد يده في المساء لمشروع مشبوه أو دعم غير مستحق، نفاق اجتماعي يجعل من الفساد حالة سائلة تتغلغل في كل الطبقات، من القمة إلى القاعدة، من الوزير إلى الموظف الصغير، من السياسي إلى الإعلامي، من المواطن البسيط إلى المثقف المتعالي.
الفساد أيضا حين يسعى صاحب سيارة أجرة، صغيرة كانت أو كبيرة الى زيارة التسعيرة من تلقاء نفسه دون المراعاة للظروف المتفاوتة لركابه، ظنا منه أنه انتصر على فساد نخر جيوب السائقين من ارتفاع سعر المحروقات، الفساد أيضا حين يستقل شاب حافلة عمومية ويلتفت يمينا وشمالا قبل الهروب دون دفع ثمن تلك الخدمة، الفساد يتجاوز صاحب محل أو مقهى أو مطعم المساحة المخصصة له ويترامى على الملك العام…إلخ من صور الفساد الذي يظهر لنا أنه صغير.
حتى في الحقل الإعلامي، الذي يفترض أن يكون مرآة للحق وضميرا للأمة، تجد وجوها تتحدث عن النزاهة وهي تمارس عكسها، مؤسسات إعلامية تدعي الدفاع عن الشفافية والحقوق، بينما العاملون فيها يتقاضون أجورا هزيلة لا تصل حتى إلى “السميك”، دون عقود عمل ولا ضمان اجتماعي، أي نزاهة يمكن أن تبنى على ظلم مهني؟ وأي مصداقية لمن يطالب بحقوق جيل شاب وهو لم ينصف زملاءه في المهنة؟
أخطر ما في الفساد ليس وجوده، بل تطبيعه، أن نصبح نراه جزء من الحياة اليومية، ونتعامل معه كأمر واقع لا مفر منه، وهذا التطبيع هو ما يجعلنا نحكم على الآخرين بأقسى العبارات بينما نغسل أيدينا من أفعالنا الصغرى، كل مرة نبرر فيها الخطأ، نمنح الفساد عمرا جديدا، كل مرة نصمت فيها عن ظلم قريب، نغرس جذرا آخر في تربة الانحراف الجماعي.
الفساد، في جوهره، مرآة للمجتمع، فإذا كان المسؤول فاسدا، فكم من المواطنين ساعدوه أو سكتوا عنه أو استفادوا من فساده؟ وإذا كانت الإدارات كما يقول البعص بصفة التعميم مرتعا للرشوة، فكم من المرتفقين ساهموا في استمرارها بـ“هدية رمزية” أو “مقابل بسيط” ؟ العيب كل العيب، أن نختزل الفساد في الحكام وحدهم، متناسين الطغاة الصغار الذين يعيشون بيننا، ينهبون بصمت، ويتظاهرون بالنقاء.
محاربة الفساد لا تكون بالشعارات ولا بالهاشتاغات، بل بمراجعة الذات، تبدأ من سلوكنا اليومي، من احترام الطابور، من أداء الواجب دون غش، من رفض الرشوة ولو كانت بسيطة، من قول “لا” حين يجب أن تقال، فالإصلاح الحقيقي لا تصنعه المجالس ولا القوانين، بل الضمائر حين تستيقظ.
لن يموت الفساد ما لم نقتله بداخلنا أولا، ما لم نتصالح مع ذواتنا ونعترف بأننا جزء من المشكلة قبل أن نكون ضحاياها، فحين نصلح أنفسنا، سنكتشف أن الفساد لا يملك مكانا في مجتمع نقي من الداخل، وأن النقاء الحقيقي لا يفرض بالقوانين، بل يزرع في القلوب، وحين نتركه له المجال سيصبح كل شيء عاديا ومقبولا.