في خضم الزخم التكنولوجي الذي طبع انطلاقة معرض GITEX Future Health Africa Morocco بالدار البيضاء، اختارت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، إلى جانب الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، أن تتجاوزا الحضور المؤسساتي التقليدي، عبر تقديم حلول رقمية عملية تعكس انتقال إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب من مرحلة التصور إلى التنفيذ الميداني القائم على التكنولوجيا.
ومنذ اللحظات الأولى لافتتاح هذا الحدث، الذي أشرف عليه أمين التهراوي تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، برز توجه واضح نحو عرض خدمات رقمية جاهزة للتفعيل، بما يعكس دينامية جديدة في تدبير القطاع الصحي، تقوم على الابتكار وتحسين تجربة المرتفق.
وفي هذا الإطار، كشفت وزارة الصحة عن تطوير منصة رقمية وطنية موحدة تهدف إلى تدبير شكايات المواطنين وتتبع مسار المرضى بشكل فوري، عبر قنوات متعددة تشمل الهاتف وتطبيقات التواصل، ما من شأنه تسريع التفاعل وتحسين جودة الخدمات. وتندرج هذه المبادرة ضمن رؤية أوسع لإرساء حكامة رقمية تعزز الشفافية وتعيد تنظيم العلاقة بين المواطن والمرفق الصحي.
كما تشمل هذه الدينامية تحديث الخريطة الصحية الإلكترونية، التي يتم تحيينها باستمرار لتغطي مختلف المؤسسات الاستشفائية على الصعيد الوطني، بما يتيح تتبعا دقيقا لمسارات العلاج ويرفع من نجاعة التدخلات الصحية.
وفي ما يتعلق بالحالات الاستعجالية، تم إبراز دور نظام “SAMU” كنموذج للتنسيق الرقمي، حيث يتيح تحديد المواقع الجغرافية للحالات بشكل آني وتوجيه الفرق الطبية بسرعة وفعالية، مما يساهم في تقليص زمن الاستجابة، خاصة في الحالات الحرجة.
وشهد جناح الوزارة أيضا عرض روبوت تفاعلي مخصص لاستقبال وتوجيه المرتفقين، في خطوة تعكس التوجه نحو إدماج الذكاء الاصطناعي في الخدمات الصحية، مع آفاق لتطوير وظائفه مستقبلا لتشمل الإرشاد الذكي وتدبير المواعيد، بما يعزز جودة الاستقبال داخل المؤسسات الصحية.
وفي السياق ذاته، أكدت الوزارة أن هذه المشاريع لا تُطرح بشكل منفصل، بل تندرج ضمن استراتيجية شاملة لتحديث المنظومة الصحية، تهدف إلى تقليص آجال الانتظار، وتحسين جودة التكفل، وتعزيز ثقة المواطن في الخدمات العمومية.
رقمنة مساطر الأدوية نحو سيادة صحية
من جهتها، استغلت الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية هذه التظاهرة لتقديم حصيلة أولية لمنصتها الرقمية “ترخيص” (Tarkhis)، التي أُطلقت في 31 مارس الماضي، باعتبارها ركيزة أساسية في مسار رقمنة تدبير المنتجات الصحية.
وأوضحت الوكالة أن هذه المنصة تمثل تحولا نوعيا نحو تحديث الإدارة الصحية، حيث مكنت في مرحلتها الأولى من رقمنة مساطر قطاع مواد التجميل ومنتجات النظافة، الذي يضم آلاف الفاعلين، عبر إلغاء الطابع الورقي واعتماد إجراءات رقمية متكاملة.
وبات بإمكان المهنيين، من خلال هذه المنصة، إيداع الملفات والتصاريح والحصول على مختلف التراخيص بشكل رقمي كامل، بما في ذلك شهادات التسجيل والتجديد وتراخيص الاستيراد، دون الحاجة إلى التنقل، وهو ما يساهم في تبسيط المساطر وتقليص التكاليف.
كما تعتمد المنصة معايير دولية وتوظف تقنيات حديثة، من بينها الذكاء الاصطناعي، لتسريع معالجة الطلبات وتعزيز الشفافية، مع تمكين المرتفقين من تتبع ملفاتهم بشكل لحظي.
ويعكس تقديم هذه الحلول الرقمية المتقدمة تحولا عميقا في مقاربة تدبير القطاع الصحي بالمغرب، حيث لم تعد الرقمنة خيارا تكميليا، بل أصبحت رافعة استراتيجية لبناء منظومة صحية أكثر كفاءة، وأكثر قربا من المواطن، وقادرة على مواكبة التحولات المتسارعة إقليميا ودوليا.





