اختتمت، السبت 11 أبريل الجاري، بكلية العلوم القانونية زالاقتصادية والاجتماعية ايت ملول، فعاليات الندوة الدولية المنظمة من طرف ماستر قوانين البيئة والتنمية المستدامة بشراكة مع ماستر التدبير العمومي الترابي ومختبر الأبحاث في القانون العام والعلوم السياسية بالكلية، حول موضوع “السيادة المائية بالمغرب من تدبير الندرة إلى تدبير الوفرة في سياق التغيرات المناخية ومخاطر الكوارث الطبيعية”، وبمشاركة ثلة من الأكاديميين والخبراء والمسؤولين المؤسساتيين.
وطرحت الندوة، منذ انطلاقها، نقاشا يتجاوز المقاربة التقنية الضيقة، ليفتح أفق التفكير في الماء كقضية سيادية ترتبط بقدرة الدولة على التدبير الاستباقي، ونجاعة اختياراتها العمومية، ومدى قدرتها على التوفيق بين متطلبات الحاضر وضمان حقوق الأجيال المقبلة، ولم يعد الماء، وفق هذا المنظور، مجرد مورد طبيعي قابل للتدبير القطاعي، بل تحول إلى مؤشر مركزي يقيس صلابة المؤسسات وعمق الرؤية الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، أبرزت المداخلات العلمية أن السياق المناخي الراهن، الموسوم بتقلبات حادة بين فترات الجفاف والفيضانات، يفرض إعادة النظر في النموذج التقليدي لتدبير الموارد المائية، والانتقال نحو سياسة مائية مرنة ومندمجة قادرة على التكيف مع حالات الندرة كما مع لحظات الوفرة. فالتحدي لم يعد يقتصر على تدبير الخصاص، بل بات يشمل أيضا كيفية استثمار الفوائض المائية دون الوقوع في مخاطر الاختلالات الطبيعية، وعلى رأسها الفيضانات.
كما شدد المتدخلون على أن مفهوم السيادة المائية لم يعد شعارا ظرفيا، بل أضحى إطارا مرجعيا يقيس مدى تحكم الدولة في مواردها الحيوية، من خلال فعالية مؤسساتها، ونجاعة ترسانتها القانونية، وقدرتها على ضمان استمرارية التزود بالماء في مختلف الظروف، مع تحقيق العدالة المجالية في التوزيع والاستفادة.
وفي مقابل ذلك، طرحت الندوة إشكالية الحكامة المائية بوصفها مدخلا أساسيا لتجاوز الاختلالات البنيوية، حيث تم التأكيد على أن تعدد المتدخلين وتشتت الاختصاصات يظلان من أبرز معيقات تحقيق تدبير ناجع، ما يستدعي إرساء نموذج مندمج يقوم على التنسيق الفعلي بين الفاعلين، وربط التخطيط بالتمويل، وتعزيز آليات المراقبة والتقييم.

ولم تغب التحولات المناخية عن صلب النقاش، إذ تم التأكيد على أنها لم تعد فرضيات مستقبلية، بل واقعا ضاغطا يفرض إعادة ترتيب الأولويات، خاصة في ما يتعلق بالتهيئة الترابية، وتدبير المخاطر، وإدماج البعد المناخي في مختلف السياسات العمومية، واعتبر أن أي تخطيط لا يضع هذه التحولات في صلب تصوراته يظل معرضاً للقصور، مهما بلغت دقته التقنية.
وفي هذا الإطار، برزت مسألة العدالة المائية كأحد التحديات الكبرى، حيث لا تزال الفوارق المجالية في الولوج إلى الماء، وفي الحماية من المخاطر الطبيعية، تعكس اختلالات بنيوية في توزيع الموارد والبنيات التحتية. وهو ما يطرح، وفق عدد من المداخلات، ضرورة اعتماد مقاربة قائمة على الإنصاف المجالي، تجعل من الماء مدخلاً لتعزيز المواطنة الترابية وليس فقط خدمة عمومية.
كما تم التوقف عند الإطار القانوني والمؤسساتي المنظم لقطاع الماء، مع التأكيد على أن النصوص، رغم أهميتها، تظل غير كافية في غياب تفعيل فعلي على أرض الواقع، وربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة، وضمان التزام مختلف المتدخلين بالقواعد المؤطرة للاستعمال المستدام للموارد المائية.
وفي سياق متصل، جرى التأكيد على أن الرهان المائي بالمغرب يتجاوز قدرات الدولة لوحدها، ويستدعي تعبئة جماعية تشمل الجامعة، والجماعات الترابية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، في إطار شراكة متعددة المستويات، قوامها الوعي بأهمية المورد، وترسيخ ثقافة الترشيد، وتعزيز المسؤولية المشتركة في الحفاظ عليه.
وعلى مستوى الواقع الميداني، تم استحضار الوضعية المائية التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، في ظل توالي فترات الجفاف وتراجع التساقطات، مقابل ارتفاع الطلب على المياه نتيجة النمو الديمغرافي والتوسع العمراني والأنشطة الاقتصادية، وهو ما دفع إلى تسريع عدد من المشاريع المرتبطة ببناء السدود، وتحلية مياه البحر، والربط بين الأحواض المائية.
غير أن التحسن النسبي الذي سجلته حقينة بعض السدود بفعل التساقطات الأخيرة أعاد طرح إشكالية تدبير الوفرة، حيث تم التنبيه إلى أن غياب تخطيط ترابي مندمج قد يحول هذه الوفرة إلى مصدر لمخاطر طبيعية، خاصة في ظل هشاشة بعض البنيات التحتية، وضعف إدماج خرائط المخاطر في وثائق التعمير.
وفي هذا السياق، تم التأكيد على الأدوار المتكاملة لمختلف الفاعلين الترابيين، حيث تضطلع الجهات بمسؤولية إدماج البعد المائي والمناخي ضمن برامج التنمية الجهوية، بينما تساهم العمالات والأقاليم في تقليص الفوارق وتعزيز البنيات الوقائية، في حين تظل الجماعات في الواجهة المباشرة لتدبير خدمات القرب المرتبطة بالماء والتطهير، بما يجعلها فاعلاً محورياً في الوقاية من المخاطر وحماية الساكنة.

كما أبرزت الندوة مفهوم التضامن المجالي كمدخل بنيوي لإعادة التوازن بين المجالات الترابية، في ظل التفاوتات الصارخة في توزيع الموارد المائية بين مناطق تعرف وفرة نسبية وأخرى تعاني خصاصا مزمنا، ولم يعد هذا المفهوم يطرح باعتباره خيارا سياسيا ظرفيا، بل كضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة التحولات المناخية واختلالات التوزيع الطبيعي للمياه، بما يجعل من إعادة توزيع الموارد بين الأحواض والمجالات أحد أعمدة تحقيق العدالة المجالية وضمان الاستقرار الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، تم التشديد على أهمية تطوير آليات تقنية ومؤسساتية فعالة لنقل المياه من مناطق الفائض إلى مناطق العجز، عبر مشاريع الربط بين الأحواض المائية، بما يضمن استمرارية التزود بالماء الصالح للشرب ودعم الأنشطة الاقتصادية، خاصة الفلاحية منها، كما تم التأكيد على ضرورة تثمين الفائض المائي الذي قد يضيع في فترات الوفرة، من خلال تعزيز قدرات التخزين، سواء عبر السدود الكبرى أو التلية، إلى جانب الاستثمار في حلول مبتكرة كإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، بما يخفف الضغط على الموارد التقليدية ويعزز الاستدامة.
ولم يقف النقاش عند الجانب التقني، بل امتد ليشمل البعد المؤسساتي للحكامة، حيث اعتبر أن تحقيق التضامن المجالي يمر عبر إرساء حكامة تشاركية حقيقية، تتجاوز الطابع الشكلي للمشاركة نحو إشراك فعلي لمختلف الفاعلين، من جماعات ترابية، وقطاعات حكومية، وفاعلين اقتصاديين، ومجتمع مدني، في بلورة السياسات المائية وتتبع تنفيذها. فالتدبير المنفرد لم يعد قادراً على الاستجابة لتعقيد التحديات، ما يستدعي اعتماد مقاربة أفقية قائمة على التنسيق والتكامل.
وفي السياق ذاته، برزت الحاجة إلى تأطير هذا التضامن ضمن رؤية استراتيجية واضحة، مدعومة بأدوات قانونية ومالية قادرة على ضمان استمراريته وفعاليته، مع تعزيز دور الدولة كفاعل منسق وضامن للتوازنات، دون إغفال أهمية المبادرات المحلية التي تظل، في كثير من الأحيان، الأقرب إلى فهم خصوصيات المجال واحتياجاته.

ورغم هذه الدينامية التي تعكس وعيا متزايدا بأهمية الإصلاح، لا تزال مجموعة من التحديات البنيوية، حسب المشاركين، تعيق تحقيق نجاعة حقيقية في تدبير القطاع المائي، وفي مقدمتها إشكالية ضعف التنسيق بين المتدخلين، حيث يظل تعدد الفاعلين، من قطاعات حكومية ومؤسسات عمومية وجماعات ترابية، عاملا يفرز تداخلا في الاختصاصات وتشتتا في المسؤوليات، ما ينعكس سلبا على سرعة اتخاذ القرار وفعالية التنفيذ. وفي غياب آليات تنسيق مؤسساتي قوية وملزمة، تتحول بعض المشاريع إلى مبادرات معزولة تفتقد للانسجام ضمن رؤية شمولية.
كما بين المتذخلون محدودية الالتقائية بين السياسات القطاعية كأحد أبرز أعطاب الحكامة، إذ غالبا ما يتم تدبير قضايا الماء بمعزل عن سياسات التعمير، والفلاحة، والطاقة، والبيئة، رغم الترابط العضوي بينها، هذا الانفصال يؤدي إلى مفارقات ميدانية، من قبيل الترخيص لتوسعات عمرانية في مجالات مهددة بالفيضانات، أو دعم أنشطة فلاحية مستنزفة للموارد المائية في مناطق تعاني أصلا من الإجهاد المائي، ما يكشف الحاجة إلى إعادة بناء السياسات العمومية على أساس التكامل لا التجزيء.
وفي كلمة لها في ختام أشغال الندوة الدولية، أكدت الدكتورة صفية لعزيز أن هذا اللقاء العلمي شكل محطة أساسية لإعادة طرح سؤال الماء من زاوية تتجاوز المقاربة التقنية الضيقة، نحو مقاربة شمولية تربط بين البعد القانوني والمؤسساتي والترابي في تدبير هذا المورد الحيوي، وأضافت أن السيادة المائية لم تعد فقط مفهوم نظري أو شعار تنموي، بل أصبحت رهانا استراتيجيا يختبر قدرة الدولة ومختلف الفاعلين على ضمان الأمن المائي، وترسيخ العدالة المجالية، وتكريس مبادئ الاستدامة في ظل التحولات المناخية المتسارعة والضغط المتزايد على الموارد الطبيعية.
وأبرزت المتحدثة ذاتها أن النقاشات العلمية التي عرفتها الندوة أبانت عن وعي جماعي متقدم بأهمية الانتقال من منطق التدبير القطاعي المجزأ إلى منطق الحكامة المندمجة، القائم على التنسيق بين السياسات العمومية، وتعزيز الالتقائية بين الفاعلين، وتطوير آليات الاستباق والتخطيط بدل الاقتصار على معالجة الأزمات بعد وقوعها.

كما شددت في كلمتها على أن التحديات المرتبطة بالماء، سواء تعلق الأمر بندرة الموارد أو تقلبات المناخ أو الفوارق المجالية، تفرض إعادة التفكير في النموذج التنموي المائي، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات الحاضر وحقوق الأجيال القادمة، ويعزز من قدرة المجالات الترابية على الصمود والتكيف، مختتمة كلمتها بالتأكيد على أن ما تم التوصل إليه من خلاصات وتوصيات خلال هذه الندوة يشكل أرضية علمية مهمة ينبغي استثمارها في البحث الأكاديمي وصناعة القرار العمومي، من أجل المساهمة في بلورة سياسات مائية أكثر نجاعة وعدالة واستدامة.
هذا وخلصت أشغال هذه الندوة إلى التأكيد على أن تدبير الماء لم يعد مجرد قطاع ضمن قطاعات السياسات العمومية، بل أضحى ورشا استراتيجيا يختزل رهانات الدولة في التنمية والاستقرار، ويفرض إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والمجال والموارد، في أفق بناء نموذج وطني قادر على التكيف مع التحولات المناخية، وتحويل تحدياتها إلى فرص لتحقيق تنمية مستدامة وعادلة.