في تصعيد نقابي جديد، رفعت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل سقف خطابها تجاه الحكومة، محذرة من كلفة “الصمت الرسمي” حيال مطالب الشغيلة، ومعتبرة أن استمرار تجاهل الملف الاجتماعي قد يفتح الباب أمام توترات لا تُحمد عقباها، موقف النقابة لم يأت معزولا، بل تبلور ضمن أشغال مجلسها الوطني المنعقد بالدار البيضاء، حيث جرى الحسم في تحويل فاتح ماي المقبل إلى محطة نضالية وطنية، تترجم في الشارع بدل أن تظل حبيسة بيانات.
لغة البيان لم تخل من حدة، إذ رسمت صورة قاتمة عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي، متحدثة عن اختلالات عميقة تغذيها اختيارات سياسية “غير متوازنة”، أفرزت واقعا مثقلا بغلاء الأسعار وتآكل القدرة الشرائية واتساع رقعة البطالة.
وأعادت المركزية النقابية طرح مطلب الزيادة العامة في الأجور والمعاشات، ليس باعتباره مطلبا فئويا، بل كآلية استعجالية لإعادة التوازن الاجتماعي. كما دعت إلى مراجعة النظام الجبائي بما يخفف الضغط عن الأجراء، خاصة عبر تخفيض الضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة بالنسبة للمواد الأساسية، موازاة مع الرفع من الحد الأدنى للأجور وتوحيده بين القطاعين الصناعي والفلاحي، في خطوة تراها ضرورية لإنهاء “التمييز المقنن” داخل سوق الشغل.
ولم تغفل الوثيقة النقابية الجوانب التنظيمية والمؤسساتية، حيث شددت على ضرورة تسريع تنفيذ الالتزامات السابقة، خاصة ما يتعلق بإحداث درجات جديدة لفئات مهنية متعددة، مع مراجعة قوانين الانتخابات المهنية لضمان نزاهتها وتكافؤ الفرص، كما عادت لتطرح إشكالية احترام مدونة الشغل، مسجلة استمرار خروقات تمس بحقوق الأجراء، من قبيل عدم التصريح بالعمال لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أو التماطل في تنفيذ الأحكام القضائية.
الشق الطاقي بدوره حضر بقوة في خطاب النقابة، التي ربطت جزء مهما من تدهور القدرة الشرائية بارتفاع أسعار المحروقات، مطالبة بإعادة تشغيل مصفاة “سامير” وإحياء نشاط تكرير البترول وطنيا، بهدف تقليص التبعية للأسواق الدولية والتخفيف من تقلباتها، كما عبرت عن رفضها لأي إصلاح لصناديق التقاعد قد يحمل الأجراء كلفة إضافية، معتبرة أن أي معالجة لهذا الملف يجب أن تقوم على مقاربة عادلة ومتوازنة.
في مقابل المطالب الاجتماعية، لم تغفل النقابة ملف الحريات النقابية، حيث نددت بما وصفته بـ”التضييق الممنهج” على العمل النقابي داخل عدد من المؤسسات، مطالبة الدولة بالإسراع في المصادقة على الاتفاقية الدولية رقم 87، والتدخل لوضع حد لما اعتبرته عراقيل إدارية تحول دون تأسيس المكاتب النقابية وتجديدها، ولوحت القيادة النقابية ببرنامج نضالي ميداني، تاركة للمكتب التنفيذي صلاحية تنزيله وفق تطورات المرحلة.
اللافت في البيان أيضا هو اتساع دائرة التضامن التي أعلنتها النقابة، لتشمل فئات مهنية تعيش أوضاعا هشة، من مربيات التعليم الأولي إلى عمال الفلاحة والنسيج وحراس الأمن الخاص، مرورا بعدد من القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة والنقل.
وفي قراءة للسياق الدولي، ربطت القيادة النقابية جزء من الأزمة الداخلية بالتقلبات الجيوسياسية العالمية، معتبرة أن الصراعات الدولية وسباق النفوذ ساهمت في رفع أسعار الطاقة والمواد الأساسية، وهو ما انعكس مباشرة على معيش المواطنين، خصوصا الفئات الهشة والطبقة الوسطى التي تجد نفسها في قلب العاصفة.
على المستوى السياسي الخارجي، عبرت النقابة عن مواقف حادة تجاه عدد من القضايا الدولية، منتقدة ما وصفته بالهيمنة العالمية، ومجددة دعمها للقضية الفلسطينية ورفضها لكل أشكال التطبيع، مع دعوة مناضليها للمشاركة في المسيرات التضامنية المرتقبة، كما أكدت تمسكها بالوحدة الترابية للمملكة، داعية إلى تعزيز الجبهة الداخلية كمدخل أساسي لمواجهة التحديات.