الذكاء الاصطناعي في ساحات القتال… حين تسبق الخوارزميات قرار الإنسان

أعادت تقارير إعلامية أمريكية الحديث عن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية إلى واجهة النقاش الدولي، بعدما كشفت عن استخدام نموذج “كلود” التابع لشركة “أنثروبيك” ضمن مهام تحليلية مرتبطة بعمليات عسكرية في الشرق الأوسط. هذه المعطيات فتحت الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن مآلات إدماج الخوارزميات في منظومات القرار الحربي، واحتمال تشكل عقيدة عسكرية جديدة تقودها البيانات بدل التقدير البشري التقليدي.

وبحسب ما أوردته وسائل إعلام أمريكية، استعانت القيادة المركزية الأمريكية بالنظام في معالجة معطيات استخباراتية معقدة، شملت تحليل صور ومسوح جغرافية ومحاكاة سيناريوهات متعددة قبل تنفيذ الضربات. ويُعتقد أن هذه الأنظمة مكّنت من تسريع تحليل كمّ هائل من البيانات في وقت قياسي، ما ساعد على تحديد أهداف بدقة عالية وتقليص هامش الخطأ أثناء التنفيذ.

غير أن هذه التطورات لم تخلُ من جدل سياسي داخل الولايات المتحدة، حيث أثير نقاش حول حدود استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في السياق العسكري، وإمكانية ضبطها قانونياً وأخلاقياً، خاصة في ظل تقارير عن توترات بين الإدارة الأمريكية والشركة المطورة للنظام بشأن شروط الاستخدام.

وفي تعليقه على هذه المستجدات، اعتبر الخبير في الذكاء الاصطناعي رشيد أشنين أن ما يجري يعكس تحولاً عميقاً في فلسفة الحروب المعاصرة، موضحاً أن موازين القوة لم تعد ترتبط فقط بالعتاد وعدد الجنود، بل بسرعة معالجة البيانات ودقة الخوارزميات. وأضاف أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة، بل أصبح عنصراً مؤثراً في صناعة القرار العسكري من خلال تقديم توصيات فورية مبنية على تحليل لحظي للمعطيات الميدانية.

وأشار أشنين إلى أن هذا التحول أدخل مفهوماً جديداً يتمثل في “تسريع الزمن الحربي”، حيث تتقلص المسافة الزمنية بين جمع المعلومة واتخاذ القرار. ورغم ما يمنحه ذلك من تفوق تكتيكي، فإنه يطرح في المقابل إشكالية تقليص هامش التقدير السياسي والدبلوماسي، وتحويل دور الإنسان من صانع قرار إلى جهة تصادق على مخرجات رقمية جاهزة.

كما حذر من ما وصفه بـ“وهم الدقة”، مبرزاً أن الأنظمة الذكية تبني نتائجها على بيانات قد تكون ناقصة أو منحازة، ما يجعل الأخطاء المحتملة أكثر سرعة وأوسع أثراً. فكلما تسارع القرار، تضاعفت مخاطر سوء التقدير أو الانزلاق نحو تصعيد غير محسوب.

وختم الخبير تصريحه بالتأكيد على أن العالم يقف أمام منعطف حاسم: فالذكاء الاصطناعي قادر على تعزيز دقة العمليات وتقليل الكلفة البشرية، لكنه في غياب ضوابط صارمة ورقابة مؤسساتية قد يتحول إلى عامل يسرّع الفوضى الاستراتيجية. ويبقى التحدي الأكبر هو ضمان بقاء الإنسان في قلب القرار العسكري، مهما تطورت الخوارزميات وتقدمت التقنيات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.