الدعم الحكومي بين العدالة الاجتماعية واختلالات التدبير

يعدّ الدعم الحكومي إحدى الركائز الأساسية للسياسات العمومية، إذ تلجأ إليه الدول من أجل تعزيز العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق، عبر مساندة الفئات الهشة ودعم قطاعات حيوية مثل الطاقة والفلاحة والمواد الأساسية. غير أن هذا النظام، رغم أهميته، يثير نقاشًا متزايدًا حول مدى فعاليته وقدرته على تحقيق أهدافه، و في بعض الحالات يساهم في خلق اختلالات جديدة.

من الدعم الشامل إلى الدعم الموجّه

يتخذ الدعم الحكومي أشكالًا متعددة، تشمل التحويلات النقدية المباشرة للأسر، ودعم الأسعار عبر آليات مثل صندوق المقاصة، إضافة إلى الإعفاءات الضريبية والخدمات الاجتماعية في مجالات الصحة والتعليم.

وفي المغرب، ظل صندوق المقاصة لسنوات أداة رئيسية لدعم مواد أساسية كغاز البوتان والسكر والدقيق، قبل أن تتجه الدولة تدريجيًا نحو نموذج جديد يقوم على الدعم المباشر الموجّه. وتشير المعطيات الحديثة إلى أن كلفة برامج الحماية الاجتماعية مرشحة لبلوغ نحو 29 مليار درهم سنويًا في أفق 2026، مع استفادة ما يفوق 3.9 ملايين أسرة، ما يعكس تحولًا واضحًا في فلسفة الدعم من التعميم إلى الاستهداف.

كلفة مرتفعة وفعالية محدودة

رغم الأهداف الاجتماعية النبيلة، يواجه نظام الدعم عدة تحديات، أولها العبء المالي الكبير على ميزانية الدولة، وهو ما دفع إلى تقليص تدريجي لبعض النفقات، خاصة تلك المرتبطة بالمقاصة.

كما يطرح ضعف الاستهداف إشكالًا حقيقيًا، إذ إن الدعم الشامل يستفيد منه الغني والفقير على حد سواء، ما يؤدي إلى هدر الموارد العمومية. إلى جانب ذلك، يساهم الدعم في بعض الأحيان في تشويه آليات السوق، حيث لا تعكس الأسعار المدعمة التكلفة الحقيقية، وهو ما قد يشجع على الاستهلاك المفرط، خصوصًا في قطاع الطاقة.

وتشير تقارير دولية إلى أن الأثر التنموي لبعض سياسات الدعم يظل محدودًا، بسبب اختلالات في توزيع الموارد وعدم توجيهها بالشكل الأمثل.

بين الدعم ومخاطر الفساد

يفتح الدعم المجال لممارسات غير قانونية في ظل غياب الحكامة الجيدة. وتشمل هذه الممارسات تهريب المواد المدعمة، والتلاعب في لوائح المستفيدين، واستغلال الفوارق السعرية لتحقيق أرباح غير مشروعة، خاصة في قطاعات حساسة كالمواد الأساسية والفلاحة والسكن.

وتؤكد تقارير دولية أن ضعف الشفافية والرقابة يعزز من هذه المخاطر، ما يجعل إصلاح منظومة الدعم ضرورة ملحة، ليس فقط من منظور اقتصادي، بل أيضًا من زاوية تخليق الحياة العامة.

إصلاح تدريجي وإكراهات واقعية

رغم هذه التحديات، تبذل الدولة جهودًا واضحة لإصلاح نظام الدعم، من خلال إطلاق برامج الحماية الاجتماعية وتوسيع نطاق التحويلات المباشرة، إلى جانب إعادة هيكلة صندوق المقاصة بشكل تدريجي.

غير أن هذا المسار يظل محكومًا بعدة اعتبارات، من بينها كلفة الإصلاح، وتعقيد تحديد الفئات المستحقة، فضلًا عن التخوف من تداعيات اجتماعية محتملة. لذلك، يتم اعتماد نهج تدريجي يوازن بين متطلبات الإصلاح والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.

الاستهداف والرقمنة… مفاتيح المستقبل

تجمع العديد من التقارير الدولية على أن مستقبل الدعم يكمن في الانتقال إلى نظام موجّه ودقيق، يعتمد على قواعد بيانات اجتماعية محدثة، وأنظمة رقمية متطورة قادرة على تحديد المستفيدين بدقة عالية.

ومن شأن هذا التوجه أن يساهم في تقليص الهدر، والحد من الفساد، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين، بما يعزز العدالة الاجتماعية ويرفع من نجاعة السياسات العمومية.

يبقى الدعم الحكومي أداة لا غنى عنها لتحقيق التوازن الاجتماعي، غير أن فعاليته تظل رهينة بمدى حسن تدبيره. وبين كلفة مرتفعة واختلالات في التطبيق، يتجه النقاش اليوم نحو كيفية إصلاح هذا النظام، عبر اعتماد الاستهداف الدقيق والرقمنة، بما يضمن توجيه الموارد بشكل عادل وتحقيق تنمية أكثر استدامة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.