برج محمد السادس يفتح أبوابه للزوار… معلمة تجمع بين فخامة الحاضر وذاكرة الرباط وسلا

في قلب المشهد العمراني الجديد للعاصمة، يفرض “برج محمد السادس” حضوره كواحد من أبرز المعالم الحديثة التي تعيد رسم أفق الرباط وسلا، ليس فقط بارتفاعه الشاهق، بل بما يقدمه من تجربة تجمع بين الفخامة، والتاريخ، والابتكار. ومع فتح أبوابه أمام العموم، بات هذا الصرح يتيح للزوار فرصة استثنائية لاكتشاف المدينة من منظور مختلف، حيث تلتقي الذاكرة العمرانية برؤية مستقبلية طموحة.

ويمتد هذا الصرح المعماري على مساحة تناهز 102.800 متر مربع، ويُرى من مسافة تصل إلى 60 كيلومتراً، ليشكل إضافة نوعية للمشهد العمراني للعاصمة، خاصة في تناغمه البصري مع صومعة حسان، في صورة تختزل حواراً بين التاريخ والحداثة. كما لا يقتصر دوره على الجانب الجمالي، بل يشكل رافعة اقتصادية وسياحية بفضل احتضانه فندق “والدورف أستوريا الرباط-سلا”، إلى جانب شقق سكنية فاخرة ومكاتب مجهزة بأحدث التقنيات.

وتعود فكرة المشروع إلى زيارة رجل الأعمال عثمان بنجلون لوكالة الفضاء الأمريكية “ناسا”، حيث استلهم من تجربة محاكاة رحلة فضائية. وبعد ثماني سنوات من الأشغال، خرج هذا المشروع إلى الوجود بكلفة قاربت 6.5 مليارات درهم، ليصبح واحداً من أكبر المشاريع التي أنجزتها مجموعة “أو كابيتال”.

وفي هذا السياق، أكدت ليلى الحداوي، المديرة العامة المنتدبة لشركة “أتاور”، أن البرج يمثل معلمة رمزية تجمع بين أحدث التقنيات العالمية والمهارة الحرفية المغربية، مضيفة أن إنجازه كان ثمرة عمل جماعي شارك فيه مهندسون ومصممون وحرفيون ومؤرخون، سعوا إلى إبراز غنى التراث الثقافي للرباط وسلا والمغرب بشكل عام.

ويحتضن البرج، ابتداءً من الطابق 29 إلى الطابق 33، فندق “والدورف أستوريا الرباط-سلا”، الذي يضم 55 غرفة وقاعات للاجتماعات ومسبحاً داخلياً وفضاءات مخصصة للراحة والاستجمام، مقدماً تجربة إقامة تمزج بين الفخامة والتفاصيل المعمارية الراقية. وفي هذا الصدد، عبّر المدير العام للفندق، غاي بيرتو، عن فخره بافتتاح هذا الفضاء داخل البرج، مؤكداً أن المشروع يجسد التقاء الإرث بالحداثة، ويعزز موقع الرباط ضمن خارطة الوجهات العالمية، خاصة في مجال سياحة الأعمال.

وإلى جانب الشقق الفاخرة والمكاتب الحديثة، يتيح البرج تجربة ثقافية مميزة من خلال مرصد التراث والمعرض الدائم في الطابقين 50 و51، حيث يمكن للزوار استكشاف معالم الرباط وسلا عبر خرائط تاريخية وتطبيق رقمي تفاعلي يتيح التعرف على مختلف المواقع بمجرد التقاط صور لها. ويبلغ سعر الزيارة 250 درهماً للبالغين و80 درهماً للأطفال، في تجربة بانورامية تجمع بين المعرفة والمتعة.

أما في “قمرة البرج”، فيُعرض معرض “السماء بالعربية”، الذي يسلط الضوء على إسهامات العلماء العرب خلال العصر الذهبي في مجال علم الفلك، من خلال عرض أدوات علمية تاريخية ومؤلفات بارزة، ما يمنح الزوار، كباراً وصغاراً، فرصة استكشاف جانب من التراث العلمي العربي.

وتسعى إدارة المشروع إلى توسيع الولوج إلى هذا الفضاء من خلال إبرام شراكات مع المؤسسات التعليمية والجمعيات، بالنظر إلى قيمته التربوية، مع إمكانية تمكين بعض الفئات من الزيارة المجانية.

ويعتمد تصميم البرج على تصور هندسي حديث يقوم على نموذج “Shell and Core”، الذي يدمج الوظائف التقنية داخل نواة غير مركزية، ما أتاح واجهة زجاجية عصرية من الجهة الشمالية، وأخرى جنوبية مغطاة بطبقة مزدوجة تضم آلاف الأمتار المربعة من الألواح الشمسية عالية الأداء.

وبذلك، لا يقتصر برج محمد السادس على كونه معلمة معمارية شاهقة، بل يمثل مشروعاً متكاملاً يجمع بين الاستثمار والسياحة والثقافة، ويعكس طموح الرباط نحو ترسيخ مكانتها كمدينة حديثة تنفتح على المستقبل دون أن تفقد ارتباطها بجذورها التاريخية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.