في خطوة تعكس توجهًا متزايدًا نحو تحديث قطاع تربية الماشية بالمغرب، كشفت تجربة ميدانية حديثة عن نتائج مشجعة لاعتماد تقنية التلقيح الاصطناعي في الأغنام، بما يفتح آفاقًا جديدة لتحسين السلالات والرفع من الإنتاجية، رغم التحديات المرتبطة بظروف التربية في الحقول.
وفي هذا السياق، أوضح خليل زرو، الطبيب البيطري والعضو بالجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز، أن هذه التجربة تُعد الأولى من نوعها التي تُنفذ مباشرة داخل الضيعات الفلاحية، في إطار شراكة علمية مع المعهد الوطني للبحث الزراعي، مشددًا على أن نقل المعرفة من المختبر إلى الميدان يظل شرطًا أساسياً لتحقيق تحول فعلي في القطاع.
وأشار المتحدث، خلال ندوة علمية نُظمت على هامش الدورة الثامنة عشرة من المعرض الدولي للفلاحة بمكناس، إلى أن المشروع لم يقتصر على الجانب التقني، بل شمل أيضًا بعدًا تحسيسيًا يهدف إلى تقريب هذه التقنية من المربين وتعزيز وعيهم بأهميتها في تحسين جودة القطيع.
وانطلقت التجربة، بحسب زرو، من الجهة الشرقية، وتحديدًا بمنطقة بني أنصار، حيث تم إحداث مركز للتلقيح الاصطناعي، مستفيدًا من توفر بنية تحتية ملائمة. وشهدت المرحلة الأولى سنة 2024 تلقيح نحو 107 نعاج، بنسبة ولادات بلغت حوالي 60%، وهي مرحلة وُصفت بالاختبارية لتقييم مدى ملاءمة التقنية للواقع الميداني.
أما خلال سنة 2025، فقد عرفت التجربة توسعًا ملحوظًا، إذ شملت تلقيح 1168 نعجة، أسفرت عن 1180 ولادة، بنسبة نجاح قاربت 75%، وهي نتائج اعتُبرت إيجابية بالنظر إلى ظروف التربية. كما بلغ عدد الحملان نحو 1152، بمعدل خصوبة وصل إلى 131%، ما يعكس تحسنًا واضحًا في الأداء مقارنة بالسنة الأولى.
ويرجع هذا التطور، وفق المتحدث، إلى تحسين التحكم في مختلف مراحل العملية، من إعداد النعاج وتغذيتها، إلى تنظيم القطيع وتأطير المربين، ما أبرز أن نجاح هذه التقنية لا يرتبط فقط بالجانب العلمي، بل يتطلب أيضًا تدبيرًا جيدًا للضيعة واستعدادًا شاملاً للقطيع.
كما مكنت التجربة من تأهيل أطر تقنية متخصصة، عبر تكوينات ميدانية مكثفة، في أفق توسيع دائرة الاستفادة من هذه الخبرة على الصعيد الوطني.
وأكد زرو أن هذه المبادرة تشكل بداية لمسار طويل يروم تعميم التلقيح الاصطناعي في مختلف مناطق المملكة، من خلال إحداث مراكز جديدة في أبرز أحواض تربية الماشية. وفي هذا الإطار، تم إطلاق مركز أول بالجهة الشرقية، إلى جانب مشروع لإنشاء مركز ثانٍ داخل مؤسسة للتكوين في مهن تربية الماشية، بدعم من شراكات دولية وبمعايير حديثة.
كما تشمل الخطط المستقبلية توسيع الشبكة لتشمل مناطق استراتيجية أخرى، من بينها إفران ومناطق بوسط البلاد، بهدف تعميم هذه التقنية وتعزيز أثرها على الإنتاج.
وختم المتحدث بالتأكيد على أن هذه التجربة أثبتت قابلية تطبيق التلقيح الاصطناعي في السياق المغربي، محولًا إياه من فكرة نظرية إلى أداة عملية قابلة للتطوير، معتبراً أن نجاح هذا الورش يظل رهينًا بمواصلة الاستثمار في التكوين والتأطير والبنيات التحتية، بما يدعم تحديث قطاع تربية الماشية ويساهم في تعزيز الأمن الغذائي.