في اليوم الثالث من فعاليات المعرض الدولي للكتاب، شهدت أروقة التظاهرة الثقافية إقبالًا لافتًا من الشباب المغربي، الذي توافد منذ الساعات الأولى من الصباح في مشهد يعكس حضورًا قويًا للجيل الجديد داخل فضاءات القراءة والمعرفة.

هذا الحضور المكثف لم يكن مجرد زيارة عابرة، بل حمل دلالات أعمق ترتبط بعلاقة الشباب بالكتاب في زمن تتسارع فيه هيمنة الرقمنة ووسائل التواصل الاجتماعي. فرغم الإغراءات الكبيرة التي تفرضها الشاشات والهواتف الذكية، يبدو أن الكتاب ما زال يحتفظ بمكانته في وجدان جزء مهم من الشباب، الذين اختاروا استثمار وقتهم في فضاء يتيح لهم اكتشاف عوالم فكرية وأدبية متنوعة.

وتحوّل المعرض، منذ أيامه الأولى، إلى فضاء حيّ يجمع بين المتعة الثقافية والتفاعل المعرفي، حيث لم تقتصر الزيارة على اقتناء الكتب، بل شملت أيضًا حضور ندوات فكرية ولقاءات مع كتّاب ومبدعين، ما يعكس رغبة واضحة لدى الشباب في الانفتاح على النقاشات الثقافية والفكرية.
كما يُلاحظ أن الشباب المغربي يُقبل بشكل خاص على كتب الروايات والمؤلفات ذات العناوين الجذابة والمثيرة، التي تفتح شهية القراءة وتدفع القارئ نحو الغوص في عوالم السرد والتشويق. وتُسجل الرواية حضورًا قويًا داخل المعرض، باعتبارها من أكثر الأجناس الأدبية قدرة على جذب القارئ الشاب.


وفي هذا السياق، برز عامل مهم ساهم في رفع نسبة الإقبال خلال اليوم الثالث، يتمثل في حضور جلسة توقيع الكاتب المصري عمرو عبد الحميد، صاحب رواية أرض زيكولا، التي تُعد من بين أكثر الروايات مبيعًا وانتشارًا في العالم العربي. وقد شكل هذا الحدث لحظة جذب خاصة، حيث توافد عدد كبير من الشباب الراغبين في لقاء الكاتب والتفاعل معه، ما أعطى دفعة إضافية لحركة المعرض في هذا اليوم.


إلى جانب ذلك، تشهد كتب التنمية الذاتية إقبالًا ملحوظًا من فئة الشباب، باعتبارها تقدم محتوى تحفيزيًا مرتبطًا بتطوير الذات وبناء المهارات ومواجهة تحديات الحياة اليومية. كما تحضر الكتب الدينية بشكل واضح أيضًا، وتستقطب فئة واسعة تبحث عن المعرفة الروحية والفكرية في آن واحد.


في المقابل، لوحظ أن كتب الإعلام والسينما تعرف إقبالًا محدودًا نسبيًا مقارنة بباقي المجالات، رغم ارتباطها الوثيق بالاهتمامات اليومية للشباب. كما أن الكتب القانونية بدورها تسجل حضورًا أقل، باستثناء بعض الطلبة والمهتمين بالتخصصات الأكاديمية المتخصصة.
ورغم التحديات التي تفرضها الرقمنة وما يصاحبها من تغير في أنماط القراءة والاستهلاك الثقافي، فإن هذا الإقبال الشبابي يؤكد أن العلاقة مع الكتاب لم تنقطع، بل تتخذ أشكالًا جديدة تتكيف مع واقع العصر. فالشباب اليوم لا يرفضون القراءة، بل يبحثون عنها في صيغ متعددة تجمع بين الورقي والرقمي، وبين الترفيه والمعرفة.
ويطرح هذا الحضور المتزايد تساؤلات مهمة حول دور المعارض الثقافية في ترسيخ عادة القراءة لدى الأجيال الجديدة، ومدى قدرتها على تحويل هذا الإقبال الظرفي إلى سلوك دائم ومستمر، بدل أن يبقى مرتبطًا بلحظات موسمية أو أحداث توقيع فقط.
وفي الأخير، يمكن القول إن مشهد اليوم الثالث من المعرض الدولي للكتاب يعكس دينامية ثقافية واضحة، تؤكد أن الكتاب ما زال قادرًا على جذب الشباب، وأن الرواية تحديدًا تظل المدخل الأكثر تأثيرًا نحو عالم القراءة في زمن الرقمنة.





