بين الأستاذية والمحاماة.. العرفان أولى والتكامل أسمى

الكاتب: الدكتور عبد الرحيم خالص – أستاذ القانون العام بكلية الحقوق أيت ملول، جامعة ابن زهر أكادير

لطالما كان المحراب الجامعي ومنصة الدفاع وجهين لعملة واحدة؛ بل، وهما كذلك. فقه يبحث وسيف يذود عن الحقوق. غير أن ما يشهده النقاش الدائر حول مشروع القانون رقم 23.66 المنظم لمهنة المحاماة، يكشف عن محاولة بائسة لفك هذا الارتباط العضوي تحت مسمى “التنافي”، في نكران صارخ لجميل الأستاذ الجامعي الذي لولاه لما استقامت للمحامي حجة ولا استوى للقاضي حكم. فالمحاماة هي الامتداد الطبيعي للجامعة، والجامعة هي المنبع المؤسس للمحاماة.

وأد المكتسبات: من رحابة 1973 إلى ضيق 2026
إن الذاكرة القانونية المغربية لا تنسى المادة 71 من ظهير 1973، التي كانت تكرس حقا عريقا في الجمع بين التدريس والممارسة؛ حق يعتبر ضرورة لضمان جودة العدالة. واليوم، يأتي المشروع الجديد ليس فقط ليحرم الأستاذ من ممارسته، وإنما ليجهز على المشترك المعرفي الذي يبني الإنسان قبل أن يسمح له بالتعلم ثم النظر في قضايا المواطنين استهدافا للفصل فيها وفك مختلف رموزها ورسائلها. إن محاولة تكريس التنافي هي في جوهرها “تضييق على جودة الدفاع” ذاتها؛ فكيف يمنع من صاغ النظريات من اختبار صلاحيتها في مجالات التطبيق؟

العرفان في مواجهة “الجحود الوظيفي”
من الغريب أن تجد ممانعة ممن تتلمذوا على يد هؤلاء الأساتذة. إن الأستاذ الجامعي ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل هو مهندس الملكات القانونية؛ وهو من علم المحامي أدبيات الترافع والقاضي فنون الإنصات لنداء الحق. وكما تشير بعض الردود الواعية في الوسط المهني؛ فإن الأستاذ يظل مرجعا يغني الخزانة القانونية، بينما وجوده في المحكمة يعد طريقا لتنوير الطلبة ورجال القضاة على حد سواء. إن الحجج الواهية التي يسوقها البعض لإقصاء الأساتذة تتهافت أمام حقيقة أن المحامين “الأبرار” أنفسهم يطالبون اليوم برفع التنافي من جهتهم للالتحاق بركب التعليم كعرضيين، اعترافا منهم بأن المعرفة الحقيقية تولد في منطقة التماس بين النظرية والممارسة.

جدلية التكامل: الأستاذ كصمام أمان
إن الأستاذ المتمكن، الذي يقرأ باستمرار ويواكب التشريع، هو الأقدر على رصد الثغرات القانونية واقتراح الحلول. ومنعه هو نوع من إفراغ للمحاماة من عمقها الفقهي ومحاولة تحويلها إلى مجرد “حرفة” إجرائية جافة. إن منطق “العرفان” يقتضي أن يفتح الباب لمن شيد صرح المعرفة، لا أن يغلق في وجهه بمبررات واهية لا تصمد أمام ضرورة “التكامل الأسمى” بين تكوين الأجيال وصون حريات المواطنات والمواطنين.

أفق المقارنة: دروس من العالم

لم يكن المغرب يوما بدعا في هذا النهج؛ فالتجارب المقارنة في الدول ذات التقاليد العريقة كفرنسا، والعديد من الدول العربية كمصر، لا ترى في الجمع بين الأستاذية والمحاماة تنافيا، بل امتيازا نوعيا. وفي أوروبا وأمريكا ما يناهز 90 بالمئة من دولها لا تعارض الجمع بين الأستاذية بالجامعة وممارسة المحاماة، باعتبار هذه الاخيرة امتداد طبيعي وواقعي لما بدأه الأساتذة الباحثين من تنظير وفكر تأسيسي معرفي. هناك، ينظر للأستاذ بصفته معلم الجميع، ويتقاضى أجرا في ألمانيا يقارب أجر الوزير. كما يقدر سمو مكانته؛ لأنه الضامن لاستمرار نبل المهنة وترفعها عن الابتذال. إن هذه أنظمة وحكومات هذه الدول تعي جيدا أن منع الأستاذ هو قطع لشريان التجديد في جسم العدالة.

نداء إلى المشرع
إن إقرار مشروع القانون 23.66 بصيغته الحالية التي توأد حق الأستاذ الجامعي، هو إعلان عن قطيعة غير صحية بين الجامعة والمجتمع؛ بينما، رد الاعتبار للأستاذ الجامعي في ممارسة المحاماة ليس مجرد استرداد لمكتسب تاريخي، وإنما هو انتصار للحق في عدالة “عالمة”، واعتراف بجميل من علمنا أن القانون روح قبل أن يكون نصوصا.

وختاما، نقدر ونحترم من يقدر الأستاذية ويحترمها، ولا ننابز بالألقاب أو بالصفات، بقدر ما نرفع القبعة لمن يناصر الحق حقا وليس ادعاء. اما الأرزاق فعلى الله بعد الجهد الجهيد الذي يمكن للإنسان أن يتميز به.

تبعا لما سبق، يمكنني القول كأستاذ بأن هذا المقال القصير، يأتي ليس طمعا في ممارسة مهنية أخرى باسم المادة، بل يأتي ليوضح استحالة الفصل بين وجهي عملة، وجهها الرئيسي هو الأستاذية وظهرها هو المحاماة. فكيف تريدون الفصل بين شيئين، إذا تحقق فيهما التنافي قاد الأمر أكيد إلى ضعف المولود عن الولودة.

إن الأستاذ الجامعي هو منبع الفكر القانوني وحرمانه من الممارسة هو حرمان للعدالة من عقلها المدبر خارج مبررات الحقوق والحق. أما المحامي فهو حلقة الوصل التي تكمل رسالة الباحث حين ينتقل من الطالب المجد في الاطلاع على الحق والحقوق إلى مهمة المدافع عن الحقوق باسم الحق.

شارك التدوينة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار

إعلان