شهد ميناء الدار البيضاء خلال الأشهر الأخيرة حالة اختناق غير مسبوقة ألقت بظلالها على حركة الاستيراد والتزويد بالسوق الوطنية، بعدما تحولت مياهه إلى ما يشبه ساحة انتظار عائمة لعشرات السفن العاجزة عن الرسو. ومن كورنيش العاصمة الاقتصادية، خاصة بالقرب من المركب التجاري الساحلي “موروكو مول”، بات مشهد السفن المتراصة في عرض البحر عنوانا بارزا لأزمة لوجستية متفاقمة تهدد بزيادة كلفة الواردات وتعطيل سلاسل التوريد.
وكشفت معطيات من مصادر مهنية مطلعة أن عدد السفن المنتظرة قبالة ميناء الدار البيضاء تجاوز حاليا ستين سفينة، مقابل نحو خمسين فقط مع بداية السنة الجارية. وتتصدر ناقلات الحبوب قائمة السفن العالقة، بما يفوق ثلاثين سفينة، منها عشرون محملة بالحبوب وثلاث عشرة بالأعلاف، فيما تتراوح فترات الانتظار بين ثمانية وعشرة أيام في المعدل، وقد تمتد إلى شهر كامل بالنسبة لبعض الشحنات الكبرى.
وترجع المصادر ذاتها تفاقم الأزمة إلى تداخل عدة عوامل؛ أبرزها سوء الأحوال الجوية التي ضربت السواحل المغربية منذ نونبر الماضي، وأثرت بشكل مباشر على حركة الملاحة بميناء طنجة المتوسط، الذي يعد المزود الرئيسي لميناء الدار البيضاء عبر سفن التغذية. وقد أدى اضطراب حركة العبور من طنجة إلى تراكم السفن بالدار البيضاء، خاصة مع الإغلاقات المتقطعة التي عرفها الميناء لأكثر من شهرين منذ بداية سنة 2026 بسبب الظروف المناخية القاسية.
وزادت الضغوط على الميناء في ظل اشتغال ميناء طنجة المتوسط بكامل طاقته الاستيعابية، مدفوعا بارتفاع حركة الملاحة الدولية في سياق جيوسياسي متوتر، ما دفع جزءا من النشاط البحري نحو الدار البيضاء، رغم محدودية بنيته التحتية وعدم مواكبة تجهيزاته للتوسع المتسارع في حجم المبادلات التجارية.
كما ساهم حادث فقدان السفينة التجارية الليبيرية “إيونيكوس” عددا من حاوياتها عند مدخل الميناء في تعميق الأزمة، بعدما تسبب في شلل جزئي للعمليات استمر ما بين أربعة وخمسة أيام، إضافة إلى تأثير أشغال تعميق أحد الأرصفة التي تنجزها شركة “مرسى المغرب”، والتي قلصت الطاقة التشغيلية للميناء طوال فصل الشتاء الماضي.
وتنعكس تداعيات هذا الوضع مباشرة على كلفة الاستيراد، من خلال غرامات التأخير المعروفة بـ”السورستاري” (Surestaries)، التي تصل بالنسبة لسفن البضائع السائبة إلى ما بين خمسين ألفا ومائة ألف دولار يوميا، فيما تتراوح في قطاع الحبوب بين عشرين ألفا وخمسة وعشرين ألف دولار يوميا. ويخشى مهنيون أن تنتقل هذه الأعباء إلى المستهلك النهائي عبر ارتفاع الأسعار، بالتزامن مع تسجيل اضطرابات في تزويد بعض الوحدات الصناعية بالمواد الأولية.
وفي وقت تعذر فيه الحصول على توضيحات رسمية من الوكالة الوطنية للموانئ بشأن التدابير المتخذة لاحتواء الوضع، حذرت مصادر مهنية من أن استمرار الأزمة قد يدفع شركات الملاحة إلى مراجعة برامج رحلاتها نحو الدار البيضاء، بما قد يؤدي إلى تقليص عدد الخطوط البحرية ورفع تكاليف الشحن مستقبلا.
ورغم إعلان مسؤولي الميناء عن خطط لتحديث التجهيزات وتعزيز القدرات اللوجستية، فإن التقديرات المتداولة داخل الأوساط المهنية تستبعد حدوث انفراج ملموس قبل منتصف يوليوز 2026، بالنظر إلى المدة الزمنية التي تتطلبها عمليات اقتناء المعدات الجديدة وتركيبها وتشغيلها.





