في أروقة الجامعة المغربية، حيث تختلط أصوات الطلبة بين القاعات والمكتبات والمقاهي الجامعية، تتشكل يوميا قصص انتقال اجتماعي وثقافي معقدة، تجعل من الحياة الجامعية أكثر من مجرد مسار دراسي، بل تجربة لإعادة بناء الذات وإعادة تعريف الهوية.
من خلال قراءة سوسيولوجية يقدمها الأستاذ والباحث في علم الاجتماع محمد أو الطاهر، يتضح أن الجامعة ليست فقط مؤسسة تعليمية، بل فضاء اجتماعي مركب يعيد تشكيل قيم ومعتقدات وسلوكيات الطالب، خصوصا القادم من الوسط القروي أو البادية، حيث تختلف أنماط العيش والتنشئة والتمثلات الثقافية.
الاستقرار في المدينة: بداية التحول اليومي وإعادة تنظيم الذات
بمجرد انتقال الطالب إلى الجامعة واستقراره في المدينة، يبدأ مسار جديد من إعادة تنظيم الحياة اليومية. في هذه المرحلة، تتراجع بشكل واضح الرقابة الأسرية المباشرة التي كانت حاضرة في الوسط القروي، ويصبح الطالب أكثر استقلالية في تدبير وقته واختياراته اليومية.
هذا الاستقلال النسبي يفتح أمامه هامشًا أوسع من الحرية في الحركة، والتنقل، وتدبير نمط العيش. وفي هذا السياق، قد يبدأ بعض الطلبة في خوض تجارب جديدة لم تكن مألوفة في بيئتهم الأصلية، مثل السهر إلى ساعات متأخرة من الليل، أو التدخين، أو توسيع دائرة العلاقات الاجتماعية، وأحيانًا الدخول في علاقات عاطفية جديدة مرتبطة بالفضاء الحضري.
كما قد يظهر عند بعضهم نوع من التجريب الاجتماعي، حيث يحاول الطالب اختبار أنماط مختلفة من الحياة، دون أن يعني ذلك بالضرورة القطيعة مع القيم الأصلية. فهذه الممارسات، كما يؤكد التحليل السوسيولوجي، تبقى متفاوتة من شخص لآخر، وترتبط بعوامل شخصية، اجتماعية، وثقافية، ولا يمكن تعميمها على جميع الطلبة.
في العمق، لا يتعلق الأمر بانفلات اجتماعي، بل بمرحلة انتقالية لإعادة تشكيل الذات داخل فضاء جديد، حيث يحاول الطالب التوفيق بين ما حمله من بيئته الأولى وما يكتسبه داخل المدينة والجامعة.
يؤكد الباحث أن قياس حجم التغير في قيم ومعتقدات الطالب يظل نسبيًا، في غياب معطيات ميدانية دقيقة، غير أن المقاربة السوسيولوجية تشير إلى أن هذا التحول يرتبط بدرجة رسوخ الهوية السابقة لدى الطالب، وبمجموعة من العوامل المتداخلة مثل التنشئة الأولى، الروابط العائلية، المسار الدراسي، وطبيعة الاحتكاك اليومي داخل الجامعة والمدينة.
السنة الأولى: الاكتشاف، الدهشة، ومحاولة التقليد
في السنة الجامعية الأولى، يعيش الطالب مرحلة حساسة من الاكتشاف. كل شيء يبدو جديدًا: الفضاء، الأشخاص، اللغة، وحتى طرق التعامل داخل القاعات. في هذه المرحلة، يلاحظ الطالب أنماط السلوك السائدة داخل الجامعة، ويحاول فهمها ثم تقليدها تدريجيًا بهدف الاندماج.
هذا التقليد يظهر بوضوح في المظهر الخارجي، خصوصا اللباس، حيث يبدأ بعض الطلبة في تغيير أسلوب لباسهم ليتماشى مع النمط الحضري السائد. كما يظهر في طريقة الكلام، حيث يراقب الطالب كيف يتحدث الآخرون، وكيف يبنون حواراتهم داخل الجامعة وخارجها.
اللباس: انتقال تدريجي وإعادة تشكيل الصورة الاجتماعية
يعتبر اللباس من أكثر المؤشرات وضوحًا على التحول داخل الفضاء الجامعي. فبعض الطلبة ينتقلون تدريجيًا من لباس قروي أو تقليدي بسيط إلى لباس حضري عصري يعكس التأثر بالمحيط الجديد.
هذا التحول لا يحدث بشكل فجائي، بل بشكل تدريجي مرتبط بمرحلة التكيف الاجتماعي ومحاولة الاندماج داخل الوسط الجامعي.
أما بالنسبة للفتيات، فيأخذ التحول طابعًا أكثر تعقيدًا، حيث قد يظهر ما يمكن وصفه بتركيب هوياتي، يجمع بين عناصر حديثة وأخرى محافظة، في محاولة دائمة للتوازن بين الحرية الفردية ومتطلبات الأسرة والمجتمع والرقابة الاجتماعية.
اللغة وأسلوب الحوار: تحول خفي لكنه عميق
لا يقتصر التغيير على اللباس، بل يمتد إلى اللغة وأساليب التواصل. مع مرور الوقت داخل الجامعة، يبدأ الطالب في تعديل مفرداته وطريقة حديثه، حيث ينتقل تدريجيا من استعمال لغات محلية أو دارجة قروية إلى استعمال أوسع للدارجة الحضرية أو العربية الفصحى أو حتى الفرنسية.
كما تتغير طريقة الحوار نفسها، حيث يصبح الطالب أكثر جرأة في التعبير عن رأيه، وأكثر قدرة على النقاش وتبادل الأفكار، في مقابل نمط سابق قد يكون أكثر تحفظا أو بساطة في التعبير.
السنة الثانية: من التقليد إلى بناء الشخصية
في السنة الثانية، يكون الطالب قد تجاوز مرحلة الدهشة الأولى. هنا يبدأ نوع من الاستقرار النسبي، حيث ينتقل من التقليد إلى مرحلة بناء الشخصية.
حسب الباحث، يمكن أن يتخذ هذا المسار اتجاهين رئيسيين:
إما أن يواصل الطالب الاندماج الكامل داخل النموذج الجامعي والحضري، متبنّيًا أنماط عيشه وسلوكه بشكل واسع، أو أن يعمل على بناء شخصية مستقلة تجمع بين مرجعيته الأصلية وتجربته الجامعية، دون أن يذوب في أحد الطرفين.
الفضاء الجامعي: إعادة بناء العلاقات الاجتماعية والتفكير
يرى محمد أو الطاهر أن الجامعة ليست فقط مكانًا للتعلم، بل فضاء لإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية. فالعلاقات التي كانت مبنية على القرابة والانتماء المحلي، تتحول داخل الجامعة إلى علاقات قائمة على الاختيار، الصداقة، والتفاعل اليومي.
كما تساهم الجامعة في تنمية التفكير النقدي لدى الطالب، حيث يبدأ في مساءلة بعض المسلمات التي شكلت وعيه في مرحلة ما قبل الجامعة، وإعادة النظر في موقعه داخل المجتمع.
الجامعة بين التكيف والاغتراب
يؤكد الباحث أن هذه التحولات لا ينبغي فهمها باعتبارها “اضطرابا ثقافيا”، بل باعتبارها سيرورة اجتماعية طبيعية. فمفهوم الأزمة هنا لا يعني الانهيار، بل حالة انتقالية من اللايقين وإعادة التوازن بين مرجعيات قديمة وجديدة.
أما الشعور بالاغتراب، فهو تجربة ذاتية تختلف من طالب لآخر، وقد يُفهم أحيانًا كقطيعة، بينما يُعاش في حالات أخرى كتحرر وإعادة اكتشاف للذات.
متى يصبح التغيير خطرا؟
يشير الباحث إلى أن التغيير في حد ذاته ليس خطرًا، بل جزء من تطور اجتماعي طبيعي. غير أنه قد يتحول إلى مصدر خلل إذا أدى إلى عزلة اجتماعية حادة، أو انخراط في تطرف فكري أو ديني، أو سلوكيات إدمانية مثل المخدرات، بما ينعكس سلبا على التوازن النفسي والمسار الدراسي والعلاقات الاجتماعية.
بين البادية والمدينة، بين الأصل والتحول، وبين التقليد وبناء الذات، يعيش الطالب تجربة جامعة طويلة ومعقدة، تجعل من الجامعة فضاءً لإعادة تشكيل الهوية وليس فقط مؤسسة تعليمية.
وكما يوضح الباحث محمد أو الطاهر، فإن هذه التجربة لا تؤدي إلى قطيعة مع الماضي، ولا إلى اندماج كامل في الحاضر، بل إلى مسار تدريجي من التكيف وإعادة التوازن، حيث تتشكل هوية جديدة داخل التفاعل المستمر بين الأصل والتجربة.





