رغم التحولات الاقتصادية التي جعلت المغرب واحدا من أبرز الأقطاب الصناعية والتصديرية في المنطقة، فإن سوق الشغل لا يزال يواجه اختلالات عميقة تطرح تساؤلات متزايدة حول مدى قدرة النمو الحالي على توفير فرص عمل كافية وتقليص الفوارق الاجتماعية، خاصة في صفوف الشباب.
في هذا السياق، حذر تحليل حديث صادر عن ستيمسون سنتر من أن النموذج الاقتصادي المغربي المعتمد على التصدير والصناعات التحويلية بات يواجه تحديات متصاعدة، أبرزها استمرار معدلات البطالة المرتفعة واتساع دائرة العمل غير المهيكل، رغم النجاحات التي حققتها المملكة في جذب الاستثمارات الأجنبية والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.
وأوضح التحليل، الذي أعده الخبير الاقتصادي بول داير، أن المغرب تمكن خلال السنوات الماضية من ترسيخ موقعه كوجهة صناعية إقليمية، خصوصا في قطاعات مرتبطة بالتصدير، غير أن هذا التحول لم ينعكس بالشكل الكافي على مستوى خلق فرص الشغل، حيث ما تزال فئات واسعة من الشباب خارج سوق العمل النظامي.
وأشار التقرير إلى أن الحكومة المغربية، بدعم من البنك الدولي، أطلقت خارطة طريق جديدة للتشغيل مدعومة بحزمة تمويل تصل إلى 500 مليون دولار، بهدف دعم الإدماج المهني وتحفيز فرص العمل، إلا أن التحليل اعتبر أن المقاربات السابقة المعتمدة على برامج التدريب والتشغيل لم تحقق نتائج واسعة التأثير.
ويرى التقرير أن جزءا من الإشكال يرتبط بطبيعة قوانين الشغل المعمول بها، إذ توفر حماية مهمة للعمال المشتغلين داخل القطاع الرسمي، لكنها في المقابل تجعل ولوج فئات جديدة إلى سوق العمل أكثر صعوبة، بسبب تعقيد مساطر التوظيف والفصل وارتفاع كلفة التشغيل بالنسبة للمقاولات.
وبحسب المعطيات التي أوردها التحليل، فإن معدل البطالة لدى الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة يصل إلى 37.6 في المائة، بينما تنشط غالبية المقاولات داخل القطاع غير المهيكل، الذي يستوعب نسبة كبيرة من اليد العاملة دون تغطية اجتماعية أو حماية قانونية كافية.
كما قارن التقرير التجربة المغربية بنماذج النمو التي عرفتها دول شرق آسيا خلال ثمانينيات القرن الماضي، والتي اعتمدت على مرونة أكبر في سوق الشغل والاستفادة من اليد العاملة الشابة، غير أنه شدد في المقابل على أن تقليص حماية العمال بشكل واسع لا يبدو خيارا واقعيا في الحالة المغربية، بالنظر إلى الحضور التاريخي للنقابات والدعم المجتمعي للقوانين الاجتماعية.
وخلص التحليل إلى أن التحدي المطروح أمام المغرب يتمثل في بناء صيغة متوازنة تجمع بين حماية حقوق العمال وتحفيز الاستثمار وخلق فرص الشغل، داعيا إلى إطلاق حوار اجتماعي موسع يضم الحكومة والنقابات وأرباب العمل والمجتمع المدني، بهدف صياغة إصلاحات قادرة على توسيع فرص الإدماج الاقتصادي وتحسين تنافسية سوق العمل.




