كشفت نتائج استطلاع حديث للرأي أجرته شبكة “الباروميتر العربي” بشراكة مع المجموعة الاستشارية للشرق الأوسط التابعة لمؤتمر ميونخ للأمن، أن لبنان كان يعيش حالة من الضعف الهيكلي العميق حتى قبل التطورات العسكرية الأخيرة، في سياق إقليمي متوتر مرتبط بالحرب على إيران والفصائل المتحالفة معها.
وأوضحت معطيات الاستطلاع، الذي شمل 1200 مواطن لبناني في نونبر 2025، أن المزاج العام في البلاد كان يتسم بتشاؤم واضح تجاه الوضع الاقتصادي، وتراجع الثقة في المؤسسات السياسية، إلى جانب إحباط واسع بسبب تفشي الفساد، رغم تسجيل تحسن طفيف في مستوى الأمل مقارنة بربيع 2024، وذلك قبل اندلاع العمليات العسكرية التي أضعفت “حزب الله”.
وتشير الوثيقة إلى أن هذا التحسن النسبي في الثقة كان مهدداً بالانهيار مع تصاعد التوترات والهجمات الإسرائيلية والتوغل البري في مارس 2026، وما نتج عنه من موجات نزوح واسعة، لتضاف هذه التطورات إلى سلسلة أزمات مزمنة يعيشها لبنان، من بينها الانهيار الاقتصادي منذ 2019، والفراغ الرئاسي الممتد بين 2022 و2025، إضافة إلى تحديات استضافة أكثر من مليون لاجئ سوري.
أزمة متعددة الأبعاد
وبيّنت نتائج الاستطلاع أن الأزمة اللبنانية تتوزع على عدة مستويات، حيث اعتبر 25% من المشاركين أن الاقتصاد هو التحدي الأكبر، يليه انعدام الاستقرار الداخلي بنسبة 24%، ثم الفساد بنسبة 21%، في حين لم تتجاوز نسبة من قيّموا الوضع الاقتصادي بالجيد 5% فقط، وهي الأدنى بين ثمانية بلدان عربية شملها الاستطلاع.
ورغم هذا التقييم السلبي، أبدى 20% من المشاركين تفاؤلاً بتحسن الأوضاع الاقتصادية مستقبلاً، مقارنة بـ13% في ربيع 2024، ما يعكس هامشاً محدوداً من الأمل داخل الشارع اللبناني.
تحسن نسبي في الثقة بالمؤسسات
وسجلت الدراسة ارتفاعاً في مستويات الثقة في بعض مؤسسات الدولة، حيث زادت الثقة في البرلمان والقضاء بـ18 و14 نقطة مئوية على التوالي، لتصل إلى 27% لكل منهما، بينما ارتفعت الثقة في الحكومة بـ15 نقطة لتبلغ 22%.
كما ارتفع مستوى الرضا العام عن أداء الحكومة إلى 17% مقارنة بـ4% سابقاً، وهو تحسن نسبي يعزى جزئياً إلى تراجع نفوذ “حزب الله”، ما سمح بتشكيل حكومة ذات توجه إصلاحي نسبي.
خدمات ضعيفة وفساد واسع
ورغم هذا التحسن المحدود، كشفت البيانات استمرار فجوة كبيرة في تقييم الخدمات العمومية، حيث لم تتجاوز نسب الرضا 26% في التعليم، و17% في جمع النفايات، و15% في المياه، و12% في الكهرباء، و10% في الصحة.
وفي السياق ذاته، اعتبر 91% من المشاركين أن الفساد منتشر داخل مؤسسات الدولة، رغم ارتفاع نسبة من يعتقدون أن الحكومة تبذل جهوداً لمكافحته إلى 27%.
الهجرة والإصلاحات… خيارات متباينة
وأظهرت النتائج تراجعاً في نية الهجرة إلى 28%، بانخفاض 10 نقاط مقارنة بسنة 2024، غير أن الاستطلاع حذر من إمكانية عودة هذا الخيار بقوة في ظل التوترات الجديدة.
كما عبّر 57% من المشاركين عن رغبتهم في إصلاحات شاملة وسريعة، في حين انقسمت الآراء حول شكل النظام السياسي بين مؤيد للنظام الطائفي الحالي (41%)، وداعٍ إلى نظام مدني (38%)، ومؤيد للفيدرالية (17%).
مجتمع منقسم بين الاستقرار والتغيير
وأشار الاستطلاع إلى أن 49% من اللبنانيين لا يمانعون فتح المناصب الطائفية أمام الجميع، بينما أبدى 70% استعدادهم لدعم قائد قوي قادر على تجاوز القواعد التقليدية إذا كان ذلك سيحقق نتائج اقتصادية ملموسة.
كما رأى ثلثا المشاركين أن الاستقرار الاقتصادي أهم من شكل النظام السياسي، وأن الديمقراطية ليست أولوية مقارنة بحل الأزمات المعيشية.
أولويات المرحلة المقبلة
وبخصوص أولويات الحكومة، اعتبر المشاركون أن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي يأتي في المقدمة بنسبة 28%، يليه إعادة بناء البنية التحتية (25%)، ثم نزع سلاح الجهات غير الرسمية (20%)، وتقديم الدعم للنازحين (14%).
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن لبنان يعيش مرحلة دقيقة تتداخل فيها الأزمات الداخلية مع الضغوط الإقليمية، ما يجعل أي مسار تعافٍ رهيناً بقدرة الدولة على استعادة الاستقرار وإعادة بناء الثقة في مؤسساتها.