من دفء البخار إلى حرارة الأسعار… الحمّام المغربي بين طقوس الذاكرة وضغط الغلاء

في أزقة المدن العتيقة، وبين جدران تحمل آثار الزمن، لا يزال الحمّام المغربي يحافظ على حضوره كواحد من أقدم الفضاءات الاجتماعية التي تجمع المغاربة. هناك، حيث يتصاعد البخار وتختلط أصوات الماء بضحكات النساء وحديث الرجال، لا يقتصر الأمر على النظافة فقط، بل يمتد إلى طقس جماعي يعكس جزءاً من الهوية الثقافية للمجتمع.

الحمّام لم يكن يوماً مجرد مرفق عادي، بل شكل على مر العقود فضاء للتواصل، والاسترخاء، وتبادل الأخبار، بل وحتى مناسبة أسبوعية لا يمكن الاستغناء عنها داخل العديد من الأسر، خاصة في الأحياء الشعبية. غير أن هذا الطقس البسيط بدأ، في الآونة الأخيرة، يتأثر برياح الغلاء، التي لم تستثنِ حتى أكثر المرافق ارتباطاً بالحياة اليومية للمغاربة.

تزنيت… الشرارة التي أعادت النقاش

في مدينة تزنيت، اندلع الجدل من جديد بعد إعلان عدد من أرباب الحمّامات رفع تسعيرة الولوج ابتداء من 13 أبريل 2026، حيث انتقل السعر من 15 إلى 20 درهماً للراشدين، ومن 7 إلى 10 دراهم للأطفال. زيادة وُصفت من طرف المهنيين بـ”الاضطرارية”، لكنها قوبلت برفض واستياء من طرف شريحة واسعة من المواطنين.

هذا القرار لم يكن معزولاً، بل يأتي في سياق حديث متزايد عن توجه مماثل في مدن أخرى، ما جعل من موضوع “غلاء الحمّامات” قضية رأي عام، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي.

كلفة ترتفع… ومعادلة صعبة

يبرر أرباب الحمّامات هذه الزيادات بالارتفاع المتواصل في تكاليف التشغيل، وعلى رأسها أسعار الخشب الذي يُستخدم في تسخين المياه، إلى جانب المحروقات مثل البنزين وغاز البوتان. كما تشمل هذه التكاليف فواتير الماء والكهرباء، ومواد التنظيف، والصيانة، وأجور العمال.

ويؤكد مهنيون أن هذه الضغوط جعلت من الصعب الاستمرار بنفس التسعيرة القديمة، مشيرين إلى أن هامش الربح تقلّص بشكل كبير، وأن بعض الحمّامات باتت مهددة بالإغلاق في حال عدم التكيف مع هذه الزيادات.

كما يربط البعض هذه التطورات بالسياق الدولي، خاصة التوترات في منطقة الشرق الأوسط، وما رافقها من اضطراب في سلاسل التوريد وارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما انعكس، بحسبهم، حتى على القطاعات المحلية.

المواطن بين الحاجة والقدرة

في الجهة المقابلة، يرى مواطنون أن هذه الزيادات تأتي في توقيت صعب، حيث تعرف القدرة الشرائية تراجعاً ملحوظاً بفعل ارتفاع أسعار المواد الأساسية والمحروقات. ويؤكد عدد منهم أن الحمّام لم يعد خياراً بسيطاً كما كان، بل أصبح يشكل عبئاً إضافياً على ميزانية الأسر، خاصة بالنسبة للعائلات الكبيرة.

وتتراوح ردود الفعل بين من يعبّر عن رفضه القاطع لهذه الزيادات، ومن يلجأ إلى السخرية، خاصة من ربط كل ارتفاع في الأسعار بالتوترات الدولية، في ما بات يُعرف شعبياً بـ”شماعة مضيق هرمز”.

بين الإنكار والتأكيد

وسط هذا الجدل، تحاول الجهات المهنية على المستوى الوطني التخفيف من حدة النقاش، حيث أكدت الجامعة الوطنية لجمعيات أرباب ومستغلي الحمّامات والرشاشات بالمغرب أن الحديث عن زيادات عامة في الأسعار “مبالغ فيه”، مشددة على أن أي زيادات تبقى محدودة واستثنائية.

غير أن الواقع الميداني، كما تعكسه حالة تزنيت ونقاشات المواطنين، يوحي بأن هناك بالفعل تحولات في تسعيرة هذه الخدمات، ولو بشكل غير موحد.

موروث مهدد أم قطاع يتكيف؟

يضع هذا الوضع الحمّام المغربي أمام مفترق طرق: فإما أن يحافظ على طابعه الشعبي كخدمة في متناول الجميع، أو أن يتحول تدريجياً إلى نشاط تثقل كلفته كاهل الزبناء.

ويرى متتبعون أن استمرار هذا التوازن الهش قد يؤدي إلى تراجع الإقبال على الحمّامات، خاصة من طرف الفئات الهشة، وهو ما قد يؤثر بدوره على استمرارية هذا القطاع التقليدي.

في المقابل، يؤكد مهنيون أن أي حديث عن الحفاظ على الأسعار دون دعم أو حلول بديلة، يبقى غير واقعي في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف التشغيل.

بين دفء الذاكرة وبرودة الواقع

بين جدران الحمّام، ما زالت تفاصيل الذاكرة حاضرة: دلاء الماء، صابون “البلدي”، وطقوس لا تتغير. لكن خارج تلك الجدران، تتغير المعادلات بسرعة، وتفرض الأرقام منطقها.

وبين دفء البخار وبرودة الحسابات، يبقى السؤال معلقاً: هل سيظل الحمّام المغربي فضاءً مفتوحاً للجميع، أم أن موجة الغلاء ستُعيد تشكيل هذه العادة القديمة، لتصبح امتيازاً بدل أن تظل حقاً يومياً بسيطاً؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.