لم تعد طاولات المقاهي المغربية تعجّ بأوراق الجرائد كما كان الحال قبل سنوات. المشهد الذي كان مألوفاً—زبون يحتسي قهوته ويتصفح جريدة يومية—أصبح اليوم أقل حضوراً، بعدما زحفت الشاشات الصغيرة والكبيرة إلى الفضاءات العامة، وغيّرت عادات القراءة والاستهلاك الإعلامي بشكل عميق.
في مقاهي المدن الكبرى، حلّ الهاتف الذكي محل الجريدة الورقية. لم يعد الزبون ينتظر وصول عدد الصباح، بل يكتفي بتمرير سريع على التطبيقات الإخبارية أو منصات التواصل الاجتماعي. هذا التحول لم يكن مفاجئاً بقدر ما هو نتيجة تراكمات رقمية فرضت إيقاعاً جديداً للخبر: أسرع، مختصر، ومجاني في الغالب.
ويرى مهنيون في قطاع الصحافة أن تراجع حضور الجرائد في المقاهي يعكس أزمة أعمق تعيشها الصحافة الورقية، تتعلق أساساً بتغير نمط الاستهلاك الإعلامي. فالقارئ الذي كان يمنح وقته لتحليل المقالات والروبورتاجات، أصبح اليوم ميالاً إلى الأخبار السريعة والعناوين الجذابة، في بيئة رقمية تنافس على الانتباه أكثر مما تقدم مضموناً معمقاً.
من جانب آخر، لعبت الكلفة الاقتصادية دوراً حاسماً في هذا التراجع. فاقتناء عدد يومي من الجرائد لم يعد ضمن أولويات الكثير من المقاهي، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف التسيير. بعض أصحاب المقاهي يقرّون بأن الطلب على الجرائد تراجع بشكل كبير، ما جعل الاستمرار في توفيرها غير مبرر اقتصادياً، خصوصاً عندما تبقى دون قراءة لساعات.
غير أن المسألة لا ترتبط فقط بالعرض والطلب، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي والثقافي. فقد كانت قراءة الجريدة في المقهى طقساً يومياً يخلق نقاشات بين الزبائن، ويفتح المجال لتبادل الآراء حول قضايا الساعة. اليوم، تحوّل هذا الفضاء التفاعلي إلى فضاء فردي، حيث ينشغل كل شخص بشاشته الخاصة، في عزلة صامتة رغم الازدحام.
ويرى باحثون في علم الاجتماع أن هذا التحول يعكس انتقالاً من “ثقافة القراءة الجماعية” إلى “الاستهلاك الفردي للمعلومة”، حيث لم تعد المعرفة تُبنى عبر النقاش المباشر، بل عبر خوارزميات تقترح محتوى مطابقاً لاهتمامات المستخدم، ما قد يحدّ من تنوع الآراء ويعزز الانغلاق الفكري.
في المقابل، لا يعني تراجع الصحف الورقية اختفاءها الكامل، بل يشير إلى مرحلة انتقالية تعيد فيها الصحافة تعريف أدوارها. فبعض القراء ما زالوا يفضلون الجريدة الورقية لما توفره من عمق ومصداقية، بعيداً عن فوضى الأخبار الزائفة المنتشرة على الإنترنت.
هكذا، لم يعد اختفاء الجرائد من المقاهي مجرد تفصيل عابر، بل علامة على تحول أعمق في علاقة المجتمع بالمعلومة. بين الورق والشاشة، تتغير العادات، لكن السؤال الذي يظل مطروحاً: هل فقدت الصحافة الورقية مكانها، أم أنها تبحث فقط عن شكل جديد للعودة؟